الخطبة الأولى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا».
وَلَمَّا وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَ مِنْ أَوَّلِ أَعْمَالِهِ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ؛ لِمَا لِلْمَسْجِدِ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ فِي الْإِسْلَامِ.
وَلِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَضْلٌ عَظِيمٌ، فَهِيَ بُيُوتُ اللَّهِ، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِبِنَائِهَا وَعِمَارَتِهَا بِعِبَادَتِهِ وَذِكْرِهِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36 – 37].
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ».
وَأَمَرَ اللَّهُ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِتَطْهِيرِهَا الطَّهَارَةَ الْحِسِّيَّةَ بِتَنْظِيفِهَا وَبِالطَّهَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ فِيهَا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].
وَمِنْ أَعْظَمِ تَطْهِيرِ الْمَسَاجِدِ تَطْهِيرُهَا مِنْ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ وَوَسَائِلِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا إِدْخَالُ الْقُبُورِ فيها وتقصدها بالعبادَةِ كالدُّعاءِ عِنْدَهَا، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى حُرْمَةِ اتِّخَاذِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ أَمَاكِنَ لِلْعِبَادَةِ، بَلْ إِنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْقُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدًا أَوْ غَيْرَهُ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ ».
وَمَا أَكْثَرَ انْتِشَارَ هَذَا فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ، حَتَّى أَصْبَحَتِ الْقِبَابُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ عَلَامَةً عَلَى أَنَّ تَحْتَهَا قَبْرًا.
وأعظمُ مِنْ هَذَا عبادَةُ الأمواتِ المَدْفونينَ في القبورِ مِن السجودِ لَهُمْ، والاستغاثَةِ بِهِمْ، وطلبِ تفريجِ الكُرُباتِ وإِزَالَةِ المُدْلَهِمَّاتِ، وهذا هُوَ عينُ الشركِ الأكبَرِ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللهُ.
أيها المؤمنون: إن َلِمُلَازَمَةِ الْمَسَاجِدِ وَكَثْرَةِ الْخُطَا إِلَيْهَا ثَوَابًا عَظِيمًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، وَقَالَ: أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ».
وَإِنَّ تَعَلُّقَ الْقُلُوبِ بِالْمَسَاجِدِ عِبَادَةٌ يُحِبُّهَا اللَّهُ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ …»، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37].
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ:
فإن للمساجد أحكامًا منها:
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: إِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى، وَمِنَ الْفُرُوقِ أَنَّ الْمَسْجِدَ: هُوَ مَا وُقِفَ لِلصَّلَاةِ، فَكُلُّ مَكَانٍ لَمْ يُوقَفْ لِلصَّلَاةِ فَلَيْسَ مَسْجِدًا، كَالْمُصَلَّيَاتِ الَّتِي تَكُونُ تَبَعًا لِلْمَحَطَّاتِ عَلَى الطُّرُقِ، أَوِ الْأَمَاكِنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ لِلصَّلَاةِ فِيهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تُوقَفْ بَلْ تَبَعٌ لِلْمَحَطَّةِ، فَمَتَى مَا أُزِيلَتِ الْمَحَطَّةُ أُزِيلَتْ هَذِهِ الْمُصَلَّيَاتُ، وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الشيخُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِين.
الْحُكْمُ الثَّانِي: كُلُّ أَمْرٍ لَمْ تُبْنَ لِأَجْلِهِ الْمَسَاجِدُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ، وَمِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا جَاءَ النَّصُّ بِمَنْعِهَا، مِنْهَا: إِنْشَادُ الضَّالَّةِ، -أَيِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الضَّائِعَةِ-، فَلَا يَصِحُّ فِعْلُ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا».
وَمِن الأمورِ الَّتِي لَمْ تُبنَ لَهَا المَسَاجِدُ: الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ دَاخِلَ الْمَسَاجِدِ وَلَو داخلَ أسوارِهِ وحِيطانِهِ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ، رَوَى الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ».
وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَقَالَ: « أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ »، وَعَلَّقَ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: « يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا »، وَعَلَّقَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: « لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ».
وَلَمَّا غَلَبَ عَلَى بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ الْعَوَامُّ دُونَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ صَارَ الْعَوَامُّ يَتَسَابَقُونَ فِيمَا يَسْتَحْسِنُونَهُ بِأَذْوَاقِهِمْ، وَيُنَافِسُونَ أَمْثَالَهُمْ بِالزَّخْرَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنَ الْخَطَإِ الْعَظِيمِ.
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِنَّهُ لَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحيَّةَ المسجِدِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».
بَلْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ يومَ الجمُعَةِ والإمامُ يَخطُبُ فإنهُ يُصلي تحيَّةَ المسجدِ قَبْلَ أنْ يجلِسَ، رَوَى مسلمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا».
الْحُكْمُ الْخَامِسُ: لَا يَجُوزُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الرَّوَائِحِ الْكَثِيرَةِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ».
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: « أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ: هَذَا الْبَصَلُ وَالثُّومُ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا ».
فَمَا أَكْثَرَ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُمُ اعْتَادُوا طَهْوَ الطَّعَامِ بِالثُّومِ أَوِ الْأَكْلَ مِنَ الْمَطَاعِمِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ أَنْ يُوضَعَ فِيهَا ثُومٌ، وَأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَلِّي وَقَدْ شَرِبَ الدُّخَانَ فَيُؤْذِيَ الْمَلَائِكَةَ وَالْمُصَلِّينَ بِرَائِحَةِ الدُّخَانِ.
وَإِنَّ الْمَنْعَ مِمَّنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَشَرِبَ الدُّخَانَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ عُقُوبَةٌ لَهُمْ وَحِرْمَانٌ مِنَ فضلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ.
الْحُكْمُ السَّادِسُ: لَا يَجُوزُ حَجْزُ الْأَمَاكِنِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ كُلَّ مَكَانٍ فِي الْمَسْجِدِ مُشَاعٌ لِكُلِّ الْمُصَلِّينَ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْجُزَ مَكَانًا بِحُجَّةِ أَنَّ عَادَتَهُ التَّبْكِيرُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُجَجِ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، فَمَنْ كَانَ جَالِسًا ثُمَّ قَامَ لِحَاجَةٍ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَكَانِهِ، وَمَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ أَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ أَنَّ مَنْ رَأَى مَكَانًا مَحْجُوزًا بِسَجَّادٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ.
الْحُكْمُ السَّابِعُ: لَا يَجُوزُ تَخَطِّي رِقَابِ الْمُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ أَنْ يَتَجَاوَزَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الْمُصَلِّينَ بِأَنْ يَفْرُقَ بَيْنَهُمَا، ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
فَتَخَطِّي الرِّقَابِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَرَاغٌ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ فَيَصِحُّ أَنْ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ لِلْجُلُوسِ فِي هَذَا الْفَرَاغِ، أَمَّا مُجَرَّدُ تَخَطِّي الرِّقَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِدَ مَكَانًا يَجْلِسُ فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ، وَالْوَاجِبُ إِنْكَارُهُ.
الْحُكْمُ الثَّامِنُ: لَا يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ، ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «… وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ».
وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّحَدُّثِ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَسَاهَلَ كَثِيرُونَ فِي ذَلِكَ تَسَاهُلًا كَبِيرًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْكَرَ عَلَى النَّاسِ وَأَنْ يُعَلَّمُوا دِينَ اللَّهِ، بَلْ إِنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلَيْنِ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عُمَرُ: « لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
فَإِذَا تَبَيَّنَ النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالْحَدِيثِ، وَبِالْخُصُومَاتِ وَالِاخْتِلَافَاتِ وَالتَّشَاجُرَاتِ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى، رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، عَلِّقُوا قُلُوبَكُمْ بِالْمَسَاجِدِ، وَعَمِّرُوهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَحَرِّصُوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَتَعَاهَدُوا جِيرَانَكُمُ الْمُفَرِّطِينَ فِي الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاحْرِصُوا عَلَى نَظَافَةِ مَسْجِدِ حَيِّكُمْ وَتَطْيِيبِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَمَا أَعْظَمَ أَجْرَ مَنْ غَارَ عَلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ طَاعَةً لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ سُبْحَانَهُ.
إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ مَلَائِكَةً يَكْرَهُونَ الرَّوَائِحَ الْخَبِيثَةَ وَيَتَأَذَّوْنَ مِنْهَا، وَفِي الْمُقَابِلِ يُحِبُّونَ الرَّوَائِحَ الزَّكِيَّةَ، فَطَيِّبُوا الْمَسَاجِدَ وَنَظِّفُوهَا خِدْمَةً لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلِمَلَائِكَتِهِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْمَسَاجِدِ.
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَخْطَاءِ تَنْتَشِرُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتَّنَاصُحِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]. وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ».
فَاجْتَهِدُوا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى التَّنَاصُحِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، حَتَّى يَنْتَشِرَ الْخَيْرُ وَيَعُمَّ، وَيَضْعُفَ الشَّرُّ وَيَضْمَحِلَّ.
اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ …
