نعمة الأمن والاعتداء الحوثي على الحرمين


الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِطَاعَتِهِ تُحْفَظُ النِّعَمُ وَتُدْفَعُ النِّقَمُ وَالْمُلمِّاتُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2].

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، فَمَا اسْتُجْلِبَتْ نِعْمَةٌ وَلَا دُفِعَتْ نِقْمَةٌ بِمِثْلِ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ: نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالْعَافِيَةِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَهْلِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُرُّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ صَبَاحًا وَمَسَاءً فَلَا يَشْعُرُ بِعِظَمِهَا حَتَّى يُبْتَلَى بِفَقْدِهَا -نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا أَمْنَنَا وَإِيمَانَنَا-.

وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ بِأَعْظَمِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعَدِّدْ لَهُمْ مَالًا وَلَا جَاهًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالْأَمْنَ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ فانْظُرُوا كَيْفَ قُرِنَتِ النِّعْمَتَانِ بِالْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ.

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثَلَاثُ خِصَالٍ: أَمْنٌ فِي الْبَيْتِ، وَعَافِيَةٌ فِي الْبَدَنِ، وَقُوتُ يَوْمٍ؛ مَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ فَكَأَنَّمَا مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا، فَكَمْ مِنَّا يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ وَقَدِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الثَّلَاثُ، ثُمَّ لَا يَرْفَعُ بِهَا رَأْسًا بِسَبَبِ اعْتِيَادِهِ عَلَيْهَا وَظَنِّهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؟

فَإِذَا كَانَتْ نِعْمَةُ الْأَمْنِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ يَسْأَلُ: مَا الَّذِي يَجْلِبُهَا؟ وَمَا الَّذِي يَحْفَظُهَا؟ وَمَا الَّذِي يُزِيلُهَا؟ وَالْجَوَابُ فِي كَلَامِ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَا سُبْحَانَهُ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

وَتَأَمَّلُوا دُعَاءَ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. سَأَلَ الْأَمْنَ، وَسَأَلَ مَعَهُ السَّلَامَةَ مِنَ الشِّرْكِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ، وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الَّذِي حَطَّمَ الْأَصْنَامَ بِيَدِهِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَبَنِيهِ مِنْ عِبَادَتِهَا! وَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَمَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟». فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الشِّرْكِ فَقَدْ جَهِلَ الشِّرْكَ وَجَهِلَ نَفْسَهُ.

وَكَمَا أَنَّ الْأَمْنَ يُسْتَجْلَبُ بِالتَّوْحِيدِ وَيُحْفَظُ بِالطَّاعَةِ، فَإِنَّهُ يَزُولُ بِضِدِّ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112] وَتَأَمَّلُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ عَدُوٌّ دَاهَمَهَا وَلَا كَارِثَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ، وَإِنَّمَا كُفْرٌ بِالنِّعَمِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53]، وَقَالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].

فَالذُّنُوبُ، -عِبَادَ اللَّهِ-، لَيْسَتْ شَأْنًا خَاصًّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَتَعَدَّى صَاحِبَهُ؛ بَلْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ زَوَالِ النِّعَمِ عَنِ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالدُّوَلِ.

فَإِنْ قَيل : وَهَلْ تَبْلُغُ الْمَعْصِيَةُ هَذَا الْأَثَرَ؟

فَيُقَالُ: انْظُرُوا إِلَى مَعْرَكَةِ أُحُدٍ، جَيْشٌ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَيْرُ جِيلٍ مَشَى عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، نَصَرَهُمُ اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْمَعْرَكَةِ، ثُمَّ خَالَفَ الرُّمَاةُ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَرَكُوا مَوْقِعَهُمْ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ، فَانْقَلَبَ الْحَالُ، وَشُجَّ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَقُتِلَ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِهِ سَبْعُونَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ هَذِهِ الْهَزِيمَةِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165] فَإِذَا كَانَتْ مُخَالَفَةٌ وَاحِدَةٌ، مِنْ فَرِيقٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَيْشِ -وَلَيْسَ كُلِّهِ- وَبِحَضْرَةِ أَفْضَلِ الْخَلْقِ ﷺ، أَوْرَثَتْ مَا أَوْرَثَتْ، فَمَا ظَنُّنَا بِمَعَاصٍ تُجَاهَرُ بِهَا وَيُسْتَهَانُ بِهَا؟

فَأَعْظَمُ مَا يُصْلِحُ الْقُلُوبَ وَالْبِلَادَ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عِلْمًا وَعَمَلًا، وَخَوْفًا وَرَجَاءً، وَمُوَالَاةً لِأَهْلِهَا وَمُعَادَاةً لِأَعْدَائِهَا، وَحَذَرًا مِنْ كُلِّ مَا يُنْقِصُهَا أَوْ يُنَافِي أَصْلَهَا.

فَالطَّاعَةُ سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَعْصِيَةُ سَبَبٌ لِكُلِّ شَرٍّ، وَالْعَبْدُ عِنْدَ الْبَلَاءِ يَتَذَكَّرُ تَقْصِيرَهُ وَيَخَافُ ذَنْبَهُ، فَيُبَادِرُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَقَدْ ذكرَ ابنُ تيميةَ أنهُ مِمَّا يُؤْثَرُ عَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنهُ قالَ كَلِمَةً مِنْ جَوَاهِرِ الْكَلَامِ فَقَالَ: مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا ارْتَفَعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ. وَقَالَ: لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ.

وَمِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ: أَنْ نَعْرِفَ لِأَهْلِ الثُّغُورِ وَرِجَالِ الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَرِجَالِ الْأَمْنِ حَقَّهُمْ، وَأَنْ نَدْعُوَ لَهُمْ، وَأَنْ نُعِينَهُمْ عَلَى مَا أَقَامَهُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ حِمَايَةٍ لِلْأَنْفُسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ».

وَلْيَعْلَمِ الْمُرَابِطُونَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ حِمَايَةِ بَيْضَةِ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الرِّبَاطِ عَلَى الْحُدُودِ وَالثُّغُورِ، فَعَنْ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ -رضي الله عنه- قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَن سلمانَ الفارِسِيِّ -رضي الله عنه- أنهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَإِنَّ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعْظِيمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَحُرْمَةَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَالْحَرَمَانِ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ فِي عُنُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَوِّنَ مِنْ شَأْنِ تَهْدِيدِ أَمْنِهِمَا أَوِ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمَا أَوْ تَرْوِيعِ أَهْلِهِمَا وَقَاصِدِيهِمَا، فَإِنَّ كُلَّ هَمٍّ بِسَيِّئَةٍ لَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إِلَّا في مَكَّةَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَوَعَّدَ مَنْ أَرَادَ حَرَمَهُ بِسُوءٍ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ كَمَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]

وَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ في نَشْرِهِ لِلشَّائِعَاتِ وَعَدَمِ التَّثَبُّتِ بأَنْ يَكُونَ مُعِينًا لِلْأَعْدَاءِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُ الْأَنْظِمَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الْأَمْنَ الْمَصَالِحَ، وَالتَّعَاوُنُ مَعَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ فِي عَدَمِ تَدَاوُلِ الْإِشَاعَاتِ وَتَصْوِيرِ مَا مُنِعَ مِنْ تَصْوِيرِهِ وَتَدَاوُلِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِالْأَمْنِ أَوْ يَكْشِفُ مَا يَنْبَغِي سَتْرُهُ تُجَاهَ الْأَعْدَاءِ وَالْمُتَرَبِّصِينَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في مقدمته.

اعلموا أن هناك اجتهادًا كبيرًا من دول صهيونية وجماعات مبتدعة إخوانية في نشر الشائعات الكاذبة والتحليلات الجائرة على الدولة السعودية فكونوا حذرين ولمكرهم متنبهين.

وَإِنَّ مِنَ الْأَعْدَاءِ مَنْ لَا يَحْمِلُ صَارُوخًا وَلَا مُسَيَّرَةً، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ وَالنَّشْرِ، فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْغَيْرَةِ عَلَى الدِّينِ وَيَدَّعِي الْغَيْرَةَ عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ حَالَهُ وَجَدْتَهُ عَدُوًّا لِدَوْلَةِ التَّوْحِيدِ -الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ- يَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ لِيَشْمَتَ بِهَا، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ أَمْثَالَهُمْ فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120] وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ عَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا: فَإِنَّ مَنْ كَانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ فَهُوَ يَغْضَبُ عندما تُنْتَهَكُ حُرُمَاتُ اللَّهِ، هُنَا وَهُنَاكَ، لَكِنْ إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُنْكِرُ الْمُنْكَرَ إِذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ مَا ثُمَّ يَسْكُتُ بَلْ يُبَرِّرُ وَيُزَيِّنُ حِينَ يَقَعُ مِثْلُهُ أَوْ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي بِلَادٍ أُخْرَى، فَاعْلَمْ أَنَّ الْبَاعِثَ لِإِنْكَارِهِ لَيْسَ الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ، وَإِنَّمَا هَذَا مُتَلَوِّنٌ وَصَاحِبُ غَرَضٍ، كَفَانَا اللَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ.

أَقُولُ مَا قُلْتُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاعْلَمُوا أَنَّ أعْظَمَ العَدَاءِ عَدَاءُ الدِّينِ، كَمَا قالَ القائِلُ:

كُلُّ العَدَاواتِ قَدْ تُرجَى مَوَدَّتُهَا … إِلَّا عداوَةَ مَنْ عاداكَ فِي الدِّينِ

وَإِنَّ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ الرَّافِضَةَ الْمُكَفِّرِينَ لِصَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالْمُتَّهِمِينَ أُمَّنَا عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بِالزِّنَا، وَالْمُسْتَحِلِّينَ لِدِمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالزَّاعِمِينَ أَنَّ القُرآنَ مَحَرَّفٌ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ الحُوثِيُّونَ؛ فَقَدْ بَدَءُوا زَيْدِيَّةً ثُمَّ صَارُوا رَافِضَةً إِثْنَيْ عَشَرِيَّةً، فَعَاثُوا فِي بِلَادِ الْيَمَنِ الطَّيِّبَةِ بِالْفَسَادِ الْعَقَدِيِّ وَالْعَسْكَرِيِّ، وَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَ هَذَا الحَدِّ -عَلَى شِدَّةِ سُوئِهِ- بَلْ تَجَاوَزُوهُ إِلَى بِلَادِ التَّوْحِيدِ، وَصَوَّبُوا صَوَارِيخَهُمُ الفَاجِرَةَ الكَافِرَةَ نَحْوَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ.

وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ فَقَدْ عُرِفَ تَارِيخُهُمْ بِقَتْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَشْرِيدِهِمْ، بَلْ وَبِاعْتِدَائِهِمْ عَلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ وَسَرِقَتِهِمُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ لِمَا يُقَارِبُ عِشْرِينَ سَنَةً.

فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَكُونُوا لِأَعْدَائِكُمْ عَارِفِينَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ العَدَاءَ عَدَاءٌ عَقَدِيٌّ، وَمِنَ الخَطَإِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يُبَالِي بِالْعَدَاءِ العَقَدِيِّ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا مِعْيَارًا لِلْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالمَصَالِحَ مِقْيَاسًا لِلْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ ثُمَّ عِنْدَ العُقَلَاءِ؛ فَإِنَّ العَدَاءَ الحَقِيقِيَّ هُوَ العَدَاءُ الدِّينِيُّ، فَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ بِعَقَائِدِهِمْ لِتَحْذَرُوهَا، وَكَمَا قَالَ القَائِلُ:

عَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ … وَمَنْ لَا يَعْرِفِ الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ يَقَعْ فِيهِ

وَاسْتَفِيدُوا مِنْ هَذِهِ الأَحْدَاثِ أَنْ تُجَدِّدُوا التَّوْبَةَ إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَنْ تُحْيُوا التَّوْحِيدَ وَالتَّعَلُّقَ بِاللَّهِ فِي قُلُوبِكُمْ وَبُيُوتِكُمْ، وَرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ، وَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَأَدُّوا الْحُقُوقَ، وَاحْذَرُوا الذُّنُوبَ فِي الْخَلَوَاتِ وَالْجَلَوَاتِ؛ فَإِنَّ صَلَاحَ الْفَرْدِ لَبِنَةٌ فِي صَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ، وَصَلَاحُ الْمُجْتَمَعِ مِنْ أَسْبَابِ قُوَّةِ الْأُمَّةِ وَأَمْنِهَا.

اللَّهُمَّ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، يَا مَنْ بِيَدِهِ النَّصْرُ وَالتَّمْكِينُ، أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَأَعِذْنَا مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَالْفِتَنِ وَالْمَعَاصِي مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَعِنْهُمْ عَلَى وَالْحَقِّ وَصَلَاحِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ وَرِجَالَ الْأَمْنِ عَلَى الْحُدُودِ وَفِي الْيَمَنِ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَاجْزِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِبِلَادِنَا أَوْ بِقِيَادَتِنَا أَوْ رِجَالِ أَمْنِنَا أَوْ حَرَمَيْنَا سُوءًا، فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاكْفِنَا شَرَّهُ بِمَا شِئْتَ وَكَيْفَ شِئْتَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ.

نسخة للطباعة
تنزيل الكتاب
نسخة للجوال
تنزيل الكتاب

شارك المحتوى:
0