أدركوهم قبل أن يحترقوا


أدركوهم قبل أن يحترقوا

الحمد لله الحق المبين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه الميامين، أما بعد: فمن كان يمر بخياله أنه سيأتي يوم يطل علينا فيه من هو من شباب هذا البلد الكريم في صورة شاحبة، قد مرق من الدين؟! ففتاة -تدعي أنها سعودية- تتحدث عن يسوع المخلِّص ابن الله؟! تعالى الله عن ذلك، وآخر وسم نفسه بالقِس! وثالث -في حلته الوطنية- يحاضر عن تكذيب القرآن، وأن الكتاب واجب الاتباع هو الإنجيل!

من كان يصدق أن ابنا لهذه البلدة الطيبة يعلن إلحاده على الملأ، أو “يغرِّد” بالكفر الصريح، أو يطعن في الشرع بوقاحة؟!

لقد رأينا هذا بأعيننا في الأيام القريبة، بل شاهدنا وقرأنا لما يُزعم أنه جمعية مسيحية سعودية! -والله أعلم بالخبايا-. وصدق عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان). أخرجه الخمسة إلا النسائي.

لست مبالغا ولا متشائما، لكن بحكم اطلاعي ومتابعتي أقول: إنه يحدق بشبابنا أهوال عظيمة وفتن عاصفة، وحُق لناقوس الخطر أن تجلجل دقاته؛ فتنبهوا يا أيها العقلاء الغيورون على دينهم ووطنهم وأبنائهم؛ فهذه البلاد بيضة الإسلام، وتربتها محضن مقدساته، وأرضها لا يجتمع فيها دينان، وشبابها تاج مفرق الأمة، وغزوها في عقيدتها أعظم إرهاب.

إن الموضوع أكبر وأوسع من كونه قصة معينة تقبل التكذيب أو التشكيك.

فلو كان رمحا واحدا لاتقيته ولكنه رمحٌ وثانٍ وثالث

ثمة -يقينا- قضية ردة، وثانية وثالثة وأكثر: مذاعةٌ في الإعلام أو منظورة لدى القضاء، فلا مجال إذن لأن يقال: أكاذيب، ومبالغات، وإثارة.

إن استبعاد سقوط أحد من شبابنا في هذا الوحل القذر ضربٌ من خداع النفس؛ فإلى متى نجتر كلاما مخدِّرا ونعيش وهمًا كاذبا؟ فهل يعتقد المنصفون أن شريحة كبيرة من شبابنا محصَّنةٌ التحصين الكافي أمام سيل المذاهب الكفرية الهدامة؟ عصيّةٌ على غزوها في فكرها وأخلاقها؟

حسنا .. سينبيك عن حقيقة ذاك التحصين: “التغريدات” العوجاء فكرا وأخلاقا، وسينبيك شعار “الإيمو” على عدد ليس بقليل من شبابنا وفتياتنا، وستنبيك ألبستهم وقصاتهم، وستنبيك رعونتهم في الأسواق والشواطئ والشوارع. ستنبيك المساجد عن قلة روادها منهم، والمدارس الثانوية عن المستوى الديني والأخلاقي والثقافي، والشرطة وهيئة الأمر بالمعروف عن وضع مأساوي.

إنها قرائن كثيرة تشير إلى سهولة اختراقهم وتحويل مسارهم!

نعم .. هناك خير كثير ولله الحمد، وهناك -أيضا- كثيرٌ يُوجع القلب ويضاعف الأسى، والله المستعان.

إن ظهور هذه القضية على السطح -حتى لا تكاد تخفى على أحد- يستلزم الشجاعة الكافية لمناقشتها بحزم وجدية، وليس الهروب والتغافل.

لقد ظن كثيرون -لا سيما خلال العشرين سنة الماضية- أن شبابنا محصنون فلا يمكن اختراقهم، ولقد وثقوا أنه لن تنحرف بهم الجادة لا إلى غلو ولا إلى انحلال.

وفي هدوء انجرف كثير منهم إلى أتون الفتنة بلا مبالاة.

لقد ازدان أمامهم فضاءُ الفضائيات، وجذبتهم شِباك الشبكة، ولهَونا عنهم.

وتوزعت -دون قيود- الألوف المؤلفة منهم في أقطار الأرض؛ وشُغلنا عن واجب ملاحظتهم واحتضانهم.

لقد توهمنا أنهم لن يدخلوا في دائرة اهتمام جماعات التنصير، ولن يكونوا في مرمى سهام التشكيك والإلحاد! والله يقول: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).

ولقد كنا مخطئين في كل ذلك .. وها هي الصدمات تتوالى!

إننا اليوم نجني ثمار أخطائنا، ويجب -اليوم- أن نصحح تلك الأخطاء.

لقد آن الأوان أن يقف المجتمع وقفة جادة مع هذا الخطب الجلل؛ فلننشغل إلا عنه، ولنتهرب إلا منه، ولنختلف إلا عليه.

إنه من غير المقبول أن يُقلل من شأن هذا الموضوع؛ فإن ارتداد أشخاص ينتمون لبلاد التوحيد (التي تقول المادة الثالثة والعشرون من نظامها الأساسي: تحمي الدولة عقيدة الإسلام، وتطبق شريعته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم بواجب الدعوة إلى الله) هو حقا كارثةٌ دينية ووطنية كبرى؛ إن ذلك يعني وجود خلل كبير، وأن الشباب يتهددهم خطر محدق.

وإذا كان البعض يرى أن هؤلاء الناكصين عددٌ قليل، ولن يضروا الإسلام شيئا؛ فأقول: لو كفر الناس جميعا فلن يضروا الإسلام شيئا، وشؤم الكفر على أهله، (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا)، (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)، ومع ذلك فيجب أن نعلم أن إصابة شخص بجرثومة ضارة تعني أن المناخ مناسب لأن يصاب غيره، كما أن الحريق الكبير يبدأ بشرارة، والتفاحة الفاسدة تفسد صندوقا كاملا؛ وأي فساد أعظم من الردة عن الدين الحق؟!

على أن المتابع الواعي لأوضاع الشباب -في الداخل والخارج- ليجزم أن الوضع أسوأ مما يظنه السطحيون.

ومهما يكن .. نعم؛ إن ما سمعنا عنه قريبا من أخبار ارتداد بعض الشباب والفتيات إما إلى إلحاد وإما إلى نصرانية – حالاتٌ فردية شاذة؛ لكن لا يقول الشرع ولا العقل: لا معالجة لهذه الداهية حتى تصبح “ظاهرة” منتشرة، وحتى يخرج الناس من دين الله أفواجا!

وإذا كانت إصابة مريض واحد بوباء قاتل مُعدٍ تستنفر الجهات والجهود؛ فكيف بالوباء المميت للإيمان، الهادم للأديان!

ليس من المنطق السليم أن يكون النقاش دائرا على عدد من أصيب؛ وإنما على “فداحة المصيبة”، و”مواضع التقصير”، و”مكامن الخطر”.

وهذا -كما يدرك الصادقون- بعض حق ديننا ووطننا وأبنائنا علينا.

إن الإسلام سبب وجودنا، وهدف بقائنا، وأكبر قضية في حياتنا؛ وإذا لم يعنِ الطعن فيه والتخلي عنه لنا شيئا .. فما قيمة حياتنا؟!

وإذا كنا جادين في “الوقاية” و”العلاج” فينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أنه لو ذاق هذا أو تلك طعم الإيمان، واستشعرا حلاوته لم يكونا ليرتدا عنه بسبب شبهة تافهة، أو علاقة محرمة، أو نزوة شيطانية، أو حتى حلم منام!

لو علما -حقا- جمال الإسلام وحسنه ورُقيّه لم يستبدلا به إلحادا غبيا، أو دينا منسوخا محرّفا متناقضا.

كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمولُ!

لذا .. فيجب أن يُعتنى ببيان “محاسن الإسلام” للناشئة والشباب، وأن يُركز على طرح هذا الموضوع دوما، بأساليب متنوعة.

يجب الحرص على أن يتيقنوا أن الإسلام هو العقيدة التي تسكن لها النفس، والعبودية التي تسمو بها الروح، والشريعة التي تُعنى بالبدن وتزكيه؛ ويكفي أن قدم المسلم تُغسل في اليوم أكثر مما يُغسل وجهُ غيره! وفي أي دين سواه يكون تنظيف الفم وتخليل الأسنان عبادة؟!

لا بد أن يعوا أن شريعة الإسلام جامعةُ الأخلاق السامية والآداب الرائعة؛ حتى إنها لم تُغفل مراعاة مشاعر الحيوان! فأي شريعة غيرها منعت أن تُحَدَّ السكينُ أمام الشاة؟!

ينبغي أن يدركوا أنه الدين الوحيد الذي تَوافق فيه المعقول والمنقول، وانتظم جميع مناحي الحياة بشمولية بديعة ودقة تامة؛ من: تنظيم علاقات الدول، وإلى: كيف يلبس المرء حذاءه!

ومع ذلك فهو الدين السهل الميسور، لا في اعتناقه ولا في اعتقاده ولا في تطبيقه.

وبذا سيعتز الشباب بدينهم، وسيستعلون بإسلامهم، وستلهب الحماسة له قلوبهم.

يضاف إلى ما سبق: ينبغي التركيز على محاور مهمة، عاصمة -بتوفيق الله- من الانحراف، ومن الضروري أن تقدم للشباب بالأسلوب الذي يفهمون، والمنطق الذي يناسبهم، مع الجمع بين سهولة الطرح وأصالة المضمون، وهذه المحاور هي:

– التوجيه إلى مطالعة الشمائل النبوية والسيرة العطرة.

– والسعي في تحقيق التوحيد، وتعميق الإيمان بالغيب في نفوسهم.

– وتوضيح مفهوم الولاء والبراء في ضوء الأدلة الشرعية.

– وغرس المعتقد الصحيح في باب القدر والحكمة والتعليل في أفعال الله سبحانه؛ إذ هذا أوسع الأبواب التي يلج من خلالها شياطين الإنس للتلبيس على الشباب.

– وبيان المنهج الصحيح في التعامل مع الشبهات؛ بالنأي عنها، أو الاجتهاد في كشفها.

– والتأكيد على تعظيم نصوص الكتاب والسنة والتسليم لها وتقديمها على ما سواها.

– وإزالة توهم التعارض بين العقل والشرع، مع توضيح مكانة العقل ووظيفته اللائقة به.

– وإرشادهم وملاحظتهم عند إبحارهم في الشبكة “الإنترنت”.

– وتوفير المرجعية الدينية المؤهلة بين الشباب المبتعث في كل الدول التي حلّوا فيها؛ لتكون الصخرة التي تتكسر عندها الشبهات والنـزغات.

– وأخيرا الحذر والتحذير من قاعدة الانحراف العريضة، المسهلة لغسيل العقول؛ وهي التي يصيح بها بعضهم: (دعوا الشباب وشأنهم! فليقرأوا ما يشاءون، وليستقوا من أي مشرب! فإلى متى هذه الوصاية والتحجير على العقول!) وهذا كلام جاهل، أو صاحب غرض فاسد.

فقاعدة الشريعة المقررة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبصير الجهال، والأخذ على أيدي السفهاء، وسد الذرائع إلى الشرور، ودرء المفاسد. وهذا قمة العقل، وغاية المحبة، وكمال الرأفة.

وكل العقلاء لا يختلفون في استحسان عدم تسهيل امتلاك الشباب للأسلحة وحرية استعمالهم لها، والعلة هنا وهناك واحدة: حفظ ما هو ضروري: البدن، والدين، والدين أولى.

وإذا كان الشرع والعقل يحتّمان محاربة كتب وأطروحات الفئة الضالة والحيلولة بينها وبين الشباب؛ فدعاة الكفر أضل فئة.

هذه محاور عشرة كاملة، والله تعالى سائلٌ كلا عما استرعى.

ختاما أقول: إن الأمانة الملقاة على عاتق الجميع -رعاة ورعية- عظيمة؛ لا سيما مربع الإصلاح بأضلاعه الأربعة، وهي: محاضن التعليم بما تتضمنه من شِقي: المناهج والتدريس، ووسائل الإعلام مرئية ومسموعة ومقروءة، والقائمون على الدعوة والتوجيه، وأولياء أمور الشباب.

فتنبهوا يا هؤلاء قبل أن يزيد الاحتراق.

وصلى الله وسلم على سيد ولد آدم، وعلى آله وصحبه.

وكتبه: د. صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي

أستاذ العقيدة المشارك بالجامعة الإسلامية بالمدينة

Dr.saleh.s@gmail.com

13/9/1433هـ


شارك المحتوى: