يقول السائل: هل ثبت لله مكان، وما توجيه قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ [الزخرف: 84]، وقوله: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة: 7]؟


يقول السائل: هل ثبت لله مكان، وما توجيه قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ [الزخرف: 84]، وقوله: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة: 7]؟

يقال جوابًا على هذا السؤال: إثبات المكان لله هو من باب الإخبار، ومن قواعد أهل السُّنَّة أنه يصح الإخبار عن الله بكل لفظٍ، ليس ذمًّا من كلِّ وجهٍ، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في “مجموع الفتاوى”، وأشار إلى هذا في كتابه “الجواب الصحيح”، وذكره ابن القيم في كتابه “بدائع الفوائد”، ومن ذلك إثبات المكان لله، فهذا من باب الإخبار، فإطلاق المكان لله من باب الإخبار.

ثم إن المكان الذي يثبت لله هو العلو، أي: أنه فوق المخلوقات للأدلة الكثيرة في الكتاب والسُّنَّة، وإجماع سلف الأمة، بل وذات العقل والفطرة على أن الله فوق المخلوقات، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيَّتِه أن الأدلة التي دلت على علو الله هي ألفا دليل، فالأدلة متكاثرة في إثبات علو الله سبحانه وتعالى وقد بسط هذا ابن القيم في كتابه “اجتماع الجيوش الإسلامية”، وكذلك ذكر هذا في كتابه “أعلام الموقعين”، وألَّف الذهبي في ذلك كتابًا مستقلًا بعنوان “العلو”، وكلام أهل العلم كثيرٌ في هذا.

ومن الأدلة على علو الله قوله سبحانه: إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] يصعد: أي: يرتفع، ولا يكون الصعود والارتفاع إلا لمن هو فوق.

وقال سبحانه: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك: 16] وقوله [مَنْ فِي السَّمَاءِ ] أي: فوق السماء.

وأخرج مسلم من حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ: أن معاوية أراد أن يعتق جاريةً، فسأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» أخرجه مسلم، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة؛ على أن الله سبحانه فوق السماء.

ومعنى: في السماء، أي: فوق السماء، كما قال سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [الأنعام: 11] أي: فوق الأرض، وقال سبحانه: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: 71] أي: فوق جُذُوعِ النَّخْلِ.

فالمقصود: أن الأدلة كثيرة على أن الله فوق مخلوقاته، فإذا أريد بالمكان أي: أنه فوق مخلوقاته، فهذا الإطلاق يصح، وهو من باب الإخبار.

أما قوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ [الزخرف: 84] أي: هو المعبود في السماء والمعبود في الأرض، ذكر هذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ردِّه على الزنادقة والجهمية، وذكر ابنُ تيمية في كتاب “بيان الدليل على بطلان التحليل”، وذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب “اجتماع الجيوش الإسلامية”.

وقوله: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خمسة إلا هو سادسهم [المجادلة: 7] المراد: أنه مع عباده بالعلم، أي: يعلم أحوالهم وإلا هو بذاته فوق المخلوقات سبحانه، كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5].

أي: فوق العرش، أي: علا وارتفع وصعد سبحانه.

ويدلُّ على أن المراد بالآية: العلم، أن الله ابتدأ الآية بالعلم، قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ واختتم بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: 7] فابتدأها بالعلم، وختمها بالعلم، فهذا يدل على أن المراد بها العلم، كما ذكر ذلك الإمام سفيان رحمه الله تعالى.

فإذا تبيَّن هذا، فيطلق المكان على الله ويراد به العلو، وهذا من باب الإخبار، وإذا رأينا رجلًا سُّنيًّا سلفيًا ينكر المكان، فينبغي أن يُحمل على المكان المخلوق أي: ما ليس فوق المخلوقات، وإذا أثبت المكان فينبغي أن يُحمل على المكان فوق المخلوقات، وأن يكون إثباته من باب الإخبار، فإن الكلمة المجملة إذا خرجت من العالم السُّني السلفي فإنها تُحمل على حاله، ذكر هذا ابن القيم في كتابه “مدارج السالكين”، ذكر أن الكلمة المجملة تُحمل على سيرة الرجل وهديه.

وقد أخطأ أحد المحققين، وهذا المحقق عنده غُلوٍ وهو عادل حمدان غامدي، وأحيانًا يكتب عادل الحمدان، وأحيانًا عادل الغامدي لمَّا أخرج كتاب “الحد”، وتكلم على الإمام العلامة السلفي محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، وخطَّأه، ومما خطَّأه أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى لم يُثْبِتْ المكان.

فيقال: إن الإمام الألباني رحمه الله تعالى عالم سُّنَّة، فإذا لم يُثبِت المكانَ، فيريد المكان الوجودي، أي: المخلوق، لا يريد من ذلك نفي العلو، لاسيما وكلامه كثير في إثبات العلو لله سبحانه وتعالى، وهو الذي اختصر كتاب “العلو” للذهبي رحمه الله تعالى.

أسأل الله أن يهدينا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يحيينا على التوحيد والسُّنَّة، وأن يميتنا على ذلك، وجزاكم الله خيرًا.