هل هناك مَن طَلَب العلم متأخرًا، وبرز فيه؟


هل هناك مَن طَلَب العلم متأخرًا، وبرز فيه، وحفظ القرآن والمتون في السِّنِّ المتقدّمة، كأن يبدأ بعد الثلاثين من العمر؟

 

يقال: ينبغي أن يعلم أن العلم عبادة، وأنه ينبغي لكل أحد أن يجتهد في تحصيل هذه العبادة، لاسيما والعلم على أصح قَولَي أهل العلم وهو قول جمهور العلماء هو أفضل العبادات التطوعية، كما ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي في قولٍ وأحمد في رواية، وقد حقَّق هذا تحقيقًا بديعًا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه “مفتاح دار السعادة”، وذكر أكثر من خمسين ومائة دليل على فضل العلم.

فإذا تبين أن العلم عبادة، وأنه أفضل العبادات التطوعية فلذا ينبغي لكل أحدٍ أن يجتهِدَ فيه، ولو بلغ من العمر تسعين سنة، فينبغي له أن يبدأ في طلب العلم؛ فإنه ليس للعلم عمر، وأكبر دليل ومثال على ذلك واقع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، طلبوا العلم متأخرين، وحصَّلوا من العلم الأمر العظيم، وبوَّب البخاري: باب طلب العلم في الكِبَر، أي: في كِبَر السِّنِّ، لذا ينبغي أن نجتهد في تحصيل العلم ولو كَبِرَت السِّن، و ينبغي الاجتهاد في تحصيله.

ومن الأمثلة المعاصرة الشيخ العلامة مقبل الوادعي رحمه الله تعالى، ابتدأ في طلب العلم وهو قريب من سِنِّ الثلاثين، وأصبح بعد ذلك إمام هدى في اليمن، بل في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، وانتشرت وعمَّت دعوته شَرقَ الأرض وغَربَها، حتى أن ما يقرب من ثُلُث اليمن اهتدى على يده بعد أن كانوا شِيعَة وصوفية أصبحوا أهلَ سُنَّة، وكثير منهم أصبح من طُلَّاب العلم ومشايخ فضلاء، وترى مراكزهم قد شاعت وانتشرت في اليمن بل حتى في العالَم الإسلامي وفي غيره.

لذا أوصي نفسي والمسلمين أن نجتهد في تحصيل العلم، وأن نزور في نفوسنا أنه عبادة، وأنه الدافع لتحصيل عبادة الله.

ومن أعظم فضائل العلم،- ولو لم يكن له إلا هذه الفضيلة لكفى، وفضائله كثيرة- أن تعرف الحق والباطل، فتنجو من الفِتَن التي زلَّ فيها خَلْق كثير فهلكوا، فمن طلب العلم كان سببًا ليميِّز الحق من الباطل فإنه نور وفرقان، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يمنَّ عَلَيَّ وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح.

ثم أوصي مَن طَلَب العلم متأخرًا أن لا يجعل التأخر في طلب العلم سببًا لليأس، بل يجعل ذلك سببًا للاجتهاد، يضع أمام عينيه دائمًا أنه قد تأخر في طلب العلم، إذًا لابد أن يبادر الزمان في تحصيله، والعلم قد سُهِّل للغاية فليس صعبًا لِمَن جدَّ واجتهد وأوصي طالب العلم بأمور:.

– أول أمر: يُقبِل على الله عز وجل ويدعوه.

– الأمر الثاني: يجتهد في العبادة؛ فإن العبادة أعظم معين على طلب العلم﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة:153]، الله الله بالاجتهاد في العبادة فإنها مُعِينة للغاية في طلب العلم.

– الأمر الثالث: ملازمة شيخ مؤصل، ينفع الطالب ويتدرج معه في العلم ويعطيه زبد العلم، إن ملازمة مثل هذا يختصر كثيرًا من الطريق في تحصيل العلم.

– الأمر الرابع: مصاحبة طُلَّاب العلم الجادِّين في تحصيل العلم، فإن بعض طُلَّاب العلم قد كان جادًا ثم فتر، فمثل هؤلاء لا يصاحبهم؛ لأنهم قد يُضعِفوا همته، ولينتقي من طلاب العلم من هو جادٌّ ومجتهد في تحصيل العلم حتى يجتهد في تحصيل العلم.

– الأمر الخامس: إذا تعلَّم شيئًا يُعلِّمه للناس؛ فإن العلم يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًا شددته، فمن أنفق العلم زاده الله هدًى، وبيَّن له أمورًا ما كان يعلمها، كما بيَّن هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإذا استحضر أمثال هذه الأمور وغيرها مما هو نافع، وأقبل على الله فإن الله لا يضيّع عبده.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يمن عليَّ وعليك وعلى المسلمين أجمعين بالعلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، وأن يعيذنا وإيَّاكم من الفِتَن ما ظهر منها وما بطن. وجزاكم الله خيرًا.