الموقع تحت التجربة ، نستقبل ملاحظاتكم واقتراحاتكم عبر اتصل بنا


من الصور المعاصرة لاتباع الهوى


 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محد وعلى آله الطيبين ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
أما بعد

حذّر الله سبحانه عباده من اتّباع الهوى والسير في ركابه، والتحايل على الشريعة بتكذيبها أو تأويلها فقال سبحانه: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) سورة النساء (65)

وقال تعالى: ( فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) سورة القصص (50)

وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) سورة الأحزاب (36)

وقال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) سورة الحشر (7)

وقال تعالى: ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) سورة النساء (80)

وقال سبحانه: ( إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ أَن یَقُولُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ) سورة النور (51)

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: ” أي الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم حين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، سواء وافق أهواءهم أو خالفها، ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا حكم الله ورسوله، وأجبنا من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من الحرج. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ حصر الفلاح فيهم، لأن الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حكّم الله ورسوله، وأطاع الله ورسوله “.

وجاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به “.

نسأل الله أن يجعلنا ممن كان هواهُ تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يغفر لنا جدّنا وهزلنا وخطأنا وعمدنا، وكلّ ذلك منّا، وأن يجعلنا ممن أذعن للشريعة واستسلم لها وانقاد لما جاء عن الله وصحّ عن رسوله صلى الله عليه وسلم في سنّته الشريفة.

مصدر التشريع هو القرآن، وقد تكفّل الله بحفظه ولم يكِلهُ للخلق ليحفظوه، فلا تستطيع يدُ عابث أن تمتدّ لشيء من آياته بالتحريف والتصحيف، فليس الخلاف مع المخالفين في جُملته في هذا الباب يتعلّق بإثبات تنزيل القرآن وقطعيّة ثبوته، إنّما ساحة النزال وميدان المعركة يدور حول سعيهم لتأويله، وتحريف معانيه.

أما السُنّة الصحيحة، فقد تحايل كثيرٌ من المعاصرين على ردّها وتكذيبها، بطرائق متنوعة ودعاوى خداعة، يجمعها وينظِم ما تفرّق من شعثها، اتباع الهوى والرغبات الفاسدة وعدم الاستسلام للشريعة.

فمن كان يزعم أنّه مفكّر عقلانيّ، يُحكّم العقل ويصدر في تفكيره عنه، تجدهُ يروغ روغان الثعالب عن قبول الأحاديث التي لا تتّفق مع مزاجه، ولا تنسجم مع أهوائه بحُجّة مخالفتها للعقل، أيّ عقل، وما هي معايير هذا العقل الذي نتحاكم إليه، عقل أرسطو أم الكندي أم ابن باجه أم عقل برتراند راسل أم جان جاك روسو، ليس مهمّا أن تعلم، المهم أنّها تخالف العقل.

وقد يزيد في الطنبور نغمة فيزعم أن سبب تكذيبه للأحاديث وردّه لما لا يتوافق مع عقله منها، حمايةُ جناب النبي صلى الله عليه وسلم من أن يُنسب له من الأكاذيب المُختلقات ما لا يليق به ولا يتوافق مع دعوته، وبهذه الدعوى الواسعة نستطيع أن نُبطل كل حديث صحيح ونُكذّب كل خبر ثابت !

ومن كان صاحب هوى ممن يزعم أنه علمويّ، لا يؤمن إلا بما جاء به علماء الطب والنفس والاجتماع والفلك والجيولوجيا وغيرهم من المتخصصين في العلوم الطبيعية الماديّة، فما أسرع تكذيبه للأحاديث الصحيحة التي لا تتوافق مع النظريات التي يؤمن بها، والفرضيّات التي يُقدّسُ نتائجها.

وقد لا يكون في حقيقة الأمر فهم معنى هذه الأحاديث ولا طرائق العلماء في توجيهها ولا نظر في شيء من شروحها، إنّما عنّ له معنى فاسد وعلق بذهنه، ثم ادّعى تناقض دلائل هذه الأحاديث مع العلم التجريبي والمكتشفات الحديثة، فحمّل الأحاديث ما لا تحتمل بسبب فهمه القاصر، وصدّق بنظريات وتفسيرات معاصرة للظواهر الكونية، ما زال أهلها يختلفون بشأنها، ويتباينون في تفسير كثير منها.

ومن كان صاحب هوى ممن يزعم أنه إنسانويّ، تراهُ يتكلّف في تأويل الآيات التي تخالف إنسانيّته، ويردُّ الأحاديث التي لا تنسجم مع رغباته النفسية العاطفيّة وخيالاته المثالية الحالمة، ويقبل الأحاديث المنكرات والروايات الواهيات التي تلتقي مع أفكاره وتتناغم مع أهوائه.

فإذا رغب شيئا من الأهواء الجامحة والأغراض الفاسدة، ادّعى أن الشريعة تدلّ عليها وتشهدُ لها، وإذا كرهت نفسه شيئا من الدين لخسّة نفسه ووضاعتها، ادّعى أنّ الشريعة لا تسوّغهُ ولا يمكن بحال أن تقبله.

ومن كان صاحب هوى ممن يزعم الاشتغال بالصناعة الحديثية والنظر في علل الأسانيد والمتون وجرح الرواة وتعديلهم، فقد يرُدّ ما صحّ من السُنّة، بالطّعن في الرواة الثقات أو ادعاء النّكارة في المتون أو يزعم وجود علل قادحة في الأسانيد خفيت على حُذّاق المحدثين من قبله، فيتمكّن بهذه الصناعة التي يملك أدواتها والطريقة التي يحكمها الهوى من تضعيف الأحاديث الصحيحة وتقوية الأحاديث الضعيفة.

وعلامة هؤلاء كثرة تناقضهم واضطرابهم، فيُضعّف أحدهم راوي الحديث في موضع وقد يُسرفُ فيدّعي الإجماع على ذلك، ويوثّقهُ ويُصحّح حديثه بل يدّعي الإجماع على توثيقه في موضع آخر، بل يُصحح أحدهم الحديث في موضع لأنّه يحتاجهُ في بناء حُججه وتسلسلها ضدّ خصومه، وتراهُ في محلّ آخر يُضعّفُ هذا الحديث ويتمحّلُ في ردّه وتوهينه، لكونه يقف حائلا في وجه أهوائه ورغباته، أو لأنّ خصمه قد استدلّ به.

فاتّخذ من علمه بالحديث ومعرفته بأسانيده ومتونه ورجاله وطرائق أهله في تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتجريح الرواة وتوثيقهم ذريعة لنُصرة باطله والاستطالة على أهل الحقّ، نسأل الله السّلامة.

يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: ” هذا ولم يُكَلّف العالم بأن لا يكون له هوى! فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتِّش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويُمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنّه مخالف لهواه آثر الحق على هواه. وهذا والله أعلم، معنى الحديث الذي ذكره النووي في (الأربعين) وذكر أن سنده صحيح وهو: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به».

والعالِمُ قد يُقصّر في الاحتراس من هواه، ويسامح نفسَه فتميل إلى الباطل فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحقّ ولم يُعادِه، وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يُكثر الاسترسال مع هواه، ويُفحِش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمّد، ومنهم من يقلّ ذلك منه ويخف “.

كتبه محمد بن علي الجوني الألمعي
جمادى الأولى ١٤٤١