ما حُكْمُ مَن سَبَّ النبيَّ ﷺ ؟ هل يكفُر على الإطلاق أم توجد موانع من تكفيره؟


ما حُكْمُ مَن سَبَّ النبيَّ ﷺ ؟ هل يكفُر على الإطلاق أم توجد موانع من تكفيره؟

 

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: إن مَن سَبَّ النبيَّ ﷺ، أو رَبَّ العالمين، أو الدِّينَ الإسلام، أو استهزأ بالله، أو بدِينه، أو برسول الله ﷺ، أو بشيء من دِين الله، فإن مَن فعل ذلك كافرٌ، سواء كان جادًّا أو هازلًا.

قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وقد بسط الكلام في بيان كفر هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “الصارم المسلول”.

ومما ذكر-رحمه الله تعالى- دليلًا على ذلك، قول الله عز وجل : ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65- 66].

وقد قال الله هذا لما قالوا: ﴿إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ فقال الله: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65- 66].

فدل هذا على أن من استهزأ بالدين فهو كافر، سواء كان جادًّا أو هازلًا، يقول شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-: “فإن الله لم يكذِّبهم في قولهم: إنهم كانوا هازلين غير جادِّين، ومع ذلك كفَّرهم ربُّ العالمين، فدلَّ هذا على أن المستهزئ كافرٌ ، سواء كان جادًّا أو هازلًا.

ومما ذكر شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى- في الكتاب نفسه، قال: “إن هذه الآية جاءت في المستهزئين، فإذًا السابُّ من باب أَولَى” إلى آخر ما قال-رحمه الله تعالى-.

لكن مما ينبغي أن يُعلَم أن السابَّ أو المستهزئَ لا يُعذَر بِجَهله، لا يقال: إن مَن سبَّ أو استهزأ جاهلًا أنه معذور لجَهلِه؛ فإن مثل هذا لا يُعذَر بالجهل؛ لأنه لا يجتمع في القلب محبة الله وتعظيمه – التعظيم التعبدي، والمحبة التعبدية- مع الاستهزاء به أو بدينه أو برسوله r، وقد أشار لهذا شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى- في كتابه “الصارم المسلول”، وكذلك الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه”تيسير العزيز الحميد”.

فالجهل ليس عذرًا مانعًا.

لكن الإكراه مانع، فإنْ كان مُكَرهًا فهو مانع لعموم قوله تعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [النحل: 106]، وقد روى عبد الرزاق عن عمار –رضي الله عنه-: «أنه سبَّ النبيَّ ﷺ، ونزلت هذه الآية»، فدل هذا على أن من سبَّ أو استهزأ مكرَهًا فإنه معذور.

وكذلك من قال ذلك مِن باب سبق اللسان، أي: لم يكن يُرِيد أن يتلفظ بهذا اللفظ، ولكن تلفَّظ به خطأ؛ فإن مثل هذا معذور؛ لما ثبت عند مسلم من حديث أنس: في الرجل الذي قال: «اللهم أنت عبدي، وأنا ربُّك، أخطأ من شدة الفرح»، فمثل هذا لم يكفر، فمثل هذا ذكره على وجه الثناء والمدح؛ لأنه ليس كفرًا، فإنه قد حصل له سبق لسان، فلم يكن يريد هذا اللفظ فكفر.

وينبغي أن يُعلَم أن هناك فرقا بين من لم يُرِد لفظًا أو عملًا فعمله، وبين من لم يرد الكفر؛ فإن الثاني كفر بالإجماع، و لا يكفِّر به الجهمية، كما ذكر شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى- في “مجموع الفتاوى” في المجلد السابع.

بخلاف من لم يرد قولًا أو لفظًا أو عملًا، وفعله خطأً، فإنه من باب سبق اللسان فإن هذا ليس كفرًا.

ومما ينبغي أن يعلم: أنه لا عذر بالجهل، لا يُعذَر من سبَّ واستهزأ بجهله، كما تقدم بيانه، لكن قد يتلفظ رجلٌ بكلامٍ لا يعلم معناه، يجهل معنى هذا الكلام، وأن معناه سبٌّ لله، فمثل هذا لا يكفر، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-، وذكره تلميذه ابن القيم في كتابه “إعلام الموقعين”.

فكلام شيخ الإسلام – فيما أذكر الآن- في كتابه “الصارم المسلول”، فمثل هذا لا يُكفَر؛ لأنه لا يعلم أن كلامه سَبٌّ، وكذلك ما شاع وانتشر عند كثير من المؤذِّنين في قولهم في أذانهم: الله أكبار فإن أكبار جمع كَبَر، والكَبَر بمعنى الطبل، كما ذكر هذا النووي –رحمه الله تعالى- في كتابه “المجموع”، وقبله ابن قدامة في كتابه “المغني”.

فمَن قال هذا الكلام فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يدري أن كلامه سَبٌّ، ففرق بين الجهل بمعنى الكلام والجهل بأن السب كفرٌ، فالثاني لا يُعذَر بخلاف الأول كما تقدم بيانه.

أسال الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وجزاكم الله خيرًا.