دعوة المتعلمين للتفريق في مسائل التكفير والتبديع والتفسيق


دعوة المتعلمين

للتفريق في مسائل التكفير والتبديع والتفسيق

بين الإطلاق والتعيين

بسم الله الرحمن الرحيم

من أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد إلى أخيه … عمم الله تعالى به النفع

سلام عليكم ،،، أما بعد ،،،

يخطي من يطلق الأحكام -على الدوام- هكذا دون تفصيل أو بيان، وما أكثر الإطلاقات في هذه الساعات -والإطلاق مطيه قوم ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل- والواجب التفصيل والتبين، لا سيما ونحن في زمن جهل وفتن.

ومن أخطر المسائل في هذا الباب “قضية التكفير” وهذا الباب منضبط كغيرة، لكن لجهل الجاهل وهوى الخاطل، غابت حقيقته عن بعض المتحمسين.

لهذا انتفض الجنان، وانتصب البنان، وقام قلم البيان، تذكيراً للناسي،وتعليماً للجاهل، ونصحاً للمخالف، فأقول:

قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وهو يتكلم عن لعن المعين: “ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك (التكفير المطلق) و(الوعيد المطلق) ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط وانتفاء موانع”.

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام” (10/329)

ويقول -رحمه الله تعالى- في مسألة آخرى لها تعلق بما نحن بصدده: “ولو كان كل ذنب لعن فاعله يلعن المعين الذي فعله؛ للعن جمهور الناس، وهذا بمنزلة الوعيد المطلق لا يستلزم بثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه، وهكذا اللعن”.

انظر “منهاج السنة النبوية” (4/573) و”رفع الملام” (120) و”المسائل الماردنية” ص (66/76) و”مجموع الفتاوي” (4/474) كلها لشيخ الإسلام (1).

وقال أيضا شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى” “… هذا..فتكفير “المعين” من هؤلاء الجهّال وأمثالهم -بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وأن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر. وهكذا الكلام في تكفير جميع “المعينين” مع أن بعض البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وزوال الشبهة وهذا الجواب لا يحتمل أكثر من هذا”.

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام” (12/500)

ويقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: “إن تكفير المعين وجواز قتله موقوفاً على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر”.

“الرد على البكري” (258) و”مجموع الفتاوى” (12/500) و”مجموعة الرسائل” (4/382)

ويقول أيضا “…. فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها”

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام” (11/413)

وقال أيضاً -رحمه الله تعالى: “وحقيقة الأمر أن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفرة حتى تقوم عليه الحجة التي كفر تاركها”.

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام” (23/345)

وعلل ذلك بقوله “وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغهالنصوص الموجبه لمعرفة الحق، وقد تكون عده ولم تثبت عنده، أولم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعزره الله بها، فمن كان من المؤمنينمجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا من كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلي الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام ما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فورع لا يكفر بإنكارها”.

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام” (23/46)

ويقول بعدها: “وما وقع من لفظ أو حركة -بغير قصد القلب وعمله- فإنه لا يؤاخذ به”.

(14/116)

وقال: “وأما إذا كان يعلم ما يقول: فإن كان مختارا قاصدا لما يقوله: فهذا الذي يعتبر قوله”.

(14/118)

وبعدها قال: “وما كان كفرا من الإعمال الظاهرة -كالسجود للأوثان وسب الرسول- ونحو ذلك- فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن، وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن، ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه: لم يكن ذلك كفرا”.

(14/120)

ولقد طبّق شيخ الإسلام هذا المسلك الرشيد فكان يقول: “ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال”.

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام” (23/326)

وكذلك قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: لما قال لحفص الفرد حين قال القرآن مخلوق: “كفرت بالله العظيم” بيّن له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو أعتقد انه مرتد، لسعى في قتله”.

” مجموع فتاوى شيخ الإسلام ” (23/348) باختصار.

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: “ومسألة تكفير المعين، مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها”.

“الدرر السنية”(8/244)

وقال الشيخان حسين وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله-: “… وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار حكمهم حكم الكفار ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه”.

“مجموعة الرسائل والمسائل”(1/44)

وقال الشيخ سليمان بن سحمان: “ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولاً يكون القول به كفراً فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها”.

“الدرر السنية”(8/244)

ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى-: “ثم هنا شيئان، أحدهما: الحكم على هذا الشيء أنه كفر. والثاني: الحكم على الشخص بعينه شيء آخر”.

“فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم”(12/191)

وقال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-: “لا نكفر إنساناً ولو وقع في الكفر إلا بعد إقامة الحجة”.

انظر “الطريق للجماعة الأم” لعثمان بن عبد السلام نوح.

وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله تعالى: “وبهذا يعلم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفراً أو فسقاً ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرا ً؛ أو فاسقاً؛ إما لانتفاء شرط التكفير ([1]) أو التـفسيق، أو وجود

مانع شرعي يمنع منه”.

“القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى”ص(92)

وفي الأخير يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: “وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات، يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه كما في الحديث:

“يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبير يقولون: أدركنا آباءنا وهم يقولون لا إله إلا الله، فقيل لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار”.

“مجموع فتاوى شيخ الإسلام(35/165) والحديث قال عنه الحافظ في”الفتح”(13/16) إسناده: قوي. وانظره في”السلسة الصحيحة”برقم (87)

وبعد.. تقدم معنا أقوال السلف قديماً وحديثاً قاضية بضرورة التفريق في الحكم بالتكفير أو اللعن والتبديع والتفسيق بين الإطلاق والتعيين، وضعتها لطلبة العلم ضبطاً لأفهامهم من الزلل والشطط في هذا الأمر الجلل، والله الموفق.

وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

والحمد لله رب العالمين.

أخوكم: أبو عبد الله

محمد بن عبد الحميد بن محمد حسونة

9/6/1424هـ الموافق 7/8/2003


(

1) – قلت : وهكذا الكفر – كما تقدم من كلام شيخ الإسلام – فلو كان كل ذنب كفر فاعلة يكفر المعين الذي فعله كفرنا جمهور الناس ولصرنا بذلك خوارج عصرنا ، ولكن الله سلّمنا فتعلمنا، وعلمنا الفرق ، ودعونا الناس للأخذ به ، واعتباره في مورد الحكم ، نصحاً وإرشاداً .

([1]) شروط التكفير الواجب تحققها في الشخص المعين بعد إتيانه بعمل أو قول مكفر حتى يحكم عليه بالكفر هي:

1- أن يكون بالغاً عاقلاً.

2- أن يقع منه القول أو الفعل المكفر بإرادة واختيار منه.

3- أن تبلغه في ذلك الحجة التي يكفر بخلافها (مخالفتها).

4- أن لا يكون متأولاً… ويعد انخرام شرط من هذه الشروط مانعاً من موانع التكفير”.

“موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع” للدكتور الرحيلي (1/201)