خطورة اللعن


خطورة اللعن

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد – ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلم تسليمًا.

أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أنه ما من أحد منكم إلا وقد وَكّل الله به ملكين، أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، أحدهما مأمور بكتب الحسنات والثاني مأمور بكتب السيئات، فما تلفظون من قول ولا تعملون من عمل إلا كُتب عليكم وأحصي إحصاءً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

عباد الله: إنّ من أعظم آفات اللسان خطرًا، ومن أكثرها انتشارًا في بعض مجتمعاتنا: آفة اللعن.

واللعن – معاشر المؤمنين – ليس هو من صفات المؤمنين، وإنما من سمات وأخلاق الفسّاق ناقصي الإيمان.

قال – صلى الله عليه وسلم -: (ليس المؤمن بالطّعّان، ولا الّلعان، ولا الفاحش، ولا البذيء).

رواه الترمذي، وصححه الألباني.

وروى مسلم في صحيحه: قولَه – صلى الله عليه وسلم -: (لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّاناً).

وكثرة اللعن من أسباب دخول النار – أعاذني الله وإياكم منها-، قال – صلى الله عليه وسلم -: (يا معشر النساء تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) رواه البخاري.

ولا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة، قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء، يوم القيامة) رواه مسلم.

والمعنى: أنهم لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، ولا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات.

معاشر المؤمنين:

ولعظم لعن المؤمن؛ فقد شبهه النبي – صلى الله عليه وسلم – بقتله، قال – صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين: (لعن المؤمن كقتله).

ويوشك أن ترجع اللعنة على من خرجت منه، قال  – صلى الله عليه وسلم -: (إنّ العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتُغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مَسَاغاً رجعت إلى الذي لُعِنَ، فإن كان لذلك أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها) رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

بل قد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن لعن الدواب وغيرها، فعن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال: بينما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمعها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة) قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. رواه مسلم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا# يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا).

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى، واحفظوا ألسنتكم من اللعن، واعلموا أنّ حقيقة اللعن هي الطرد والإبعاد من الله تعالى، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم، بأن يقول: لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين، وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع؛ فإن في اللعنة خطرًا؛ لأنه حكم على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون، وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى ويطلع عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أطلعه الله عليه.

قال النووي – رحمه الله -: (اعلم أنّ لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: “لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، ولعن الله المصوّرين ونحو ذلك”) ا.هـ.

ثم صلوا وسلموا على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، فقد أمركم الله بذلك، فقال سبحانه: (إنّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) اللهم صل وسلم على يا رب العالمين، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل من خذل الدين.

اللهم احفظ ولاة أمرنا، ووفقهم بتوفيقك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم صالحًا في رضاك، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا رب العالمين.

اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود والثغور وفي الداخل يا قوي يا عزيز.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون – وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون)، و الحمد لله رب العالمين.

 

أعدّ الخطبة: بدر بن خضير الشمري.

للملاحظات التواصل عبر الرقم: 0533646769.