المجموعة (971)


يقول السائل: كيف يتغلب المسلم المستقيم على الملل الذي قد يُصيبه من قلة المعين على الحق، وكثرة تفرده بالكتب؟

الجواب:
إن الملل والفتور وضعف الهمة داء يعرض للمتعبد لله وطالب العلم والساعي في الخيرات والمسابق لها، فالإنسان ضعيف كما قال تعالى: ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾ [النساء: 28] ثم الناس يتفاوتون في هذا، وقد قسم الله هذا كما قسم الأرزاق سبحانه وتعالى، لكن ليس معنى أن الله قسمه ألا يسعى المسلم لفعل الأسباب الشرعية والكونية لرفع الهمة وتقويتها ودفع الكسل والفتور.

وهناك أسباب كثيرة مُعينة لذلك منها:
الأمر الأول: الإخلاص، فإن الإخلاص في طلب العلم والتعبد سبب عظيم للتوفيق، فإن كل خير بسبب الإخلاص، فالإخلاص عبادة عظيمة يحبها الله سبحانه وتعالى، فمن تقرب إلى الله مُخلصًا زاده الله كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾ [محمد: 17].
ومن أعظم فوائد الإخلاص: أن تستشعر أنك لا تبتغي بذلك إلا الله وحده، فتتذكر عظمة الله سبحانه وجلاله، وأنك تطلب شيئًا لمرضاته سبحانه، فهذا مُعين للغاية، أسأل الله أن يُعيننا على الإخلاص وأن يُعاملنا برحمته وهو أرحم الراحمين.

السبب الثاني: الدعاء، فإن الدعاء مفتاح عظيم لكل خير وبه تُستجلب الخيرات وتُدفع الأمور الضارات، وبه يحصل الخير في الدنيا والآخرة، فالدعاء الدعاء يا إخواني، كلما نزل بك أمر أو احتجت إلى شيء فافزع إلى الله بالدعاء، وتأمل سيرة الأنبياء والمصلحين تراهم أهل دعاء فكانوا كثيري الدعاء، والدعاء عبادة يحبها الله كما قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].
فالدعاء سبب عظيم لكل خير، وقال سبحانه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60] لاحظ أنه سمى الدعاء عبادة، فهو أمر يحبه الله غاية المحبة سبحانه وتعالى.

السبب الثالث: تذكر عظيم الأجر، فإن من تذكر الفضائل والأجور في طلب العلم وفي العبادات وفي ملازمة الذكر وقراءة القرآن وقيام الليل وصلاة الفرائض، إلى غير ذلك، انشحذت همته وأقبلت، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في رسالة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): والنفس لا تصبر على المرارة إلا بشيء من الحلاوة.
فمن تذكر الأجور العظيمة والفضائل الكبيرة في طلب العلم وفي العبادات قويت همته واشتدت وأقبلت.

السبب الرابع: تذكر سير الماضين من العلماء السالفين، فإن لهم سيرًا وقصصًا تزيد الهمة في طلب العلم وفي العبادة وفي الدعوة وغير ذلك، وكذلك تذكر سير العلماء المعاصرين كالإمام العلامة عبد العزيز بن باز، والإمام العلامة محمد ناصر الدين الألباني، والإمام العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمهم الله- وأمثالهم من علمائنا، فمن نظر في سيرهم وهمتهم واجتهادهم، فيبلغ الرجل منهم السبعين بل والثمانين وهو لا يزال في همة ونشاط وقوة في التعلم والتعليم وفي العبادة وفي المسارعة في الخيرات، إن مثل هذا يزيد الإنسان همة ونشاطًا.

السبب الخامس: الاعتبار بما مضى من الأزمان، فقد تفتر نفسونا وتضعف هممنا عن السعي في طلب العلم وتحصيله أو السعي في العبادة، ثم تذهب الساعات بل قد تذهب الأيام، بل قد تذهب الأسابيع والشهور، فإنه إذا تفكر فيما مضى علم أنه لم يستفد شيئًا وكأنه لم يفعل شيئًا، بخلاف ما مضى من أيام جدَّ واجتهد فيها، فقد حصَّل خيرًا عظيمًا، لذا يقول ابن الوردي:

إن أحلا عيشةٍ قضَّيتُها … ذهبت أيامها والإثم حلّ

وهذه عبرة لمن أراد أن يعتبر، فلنعتبر يا إخواني ولنجتهد…

ثم السبب الأخير -وهو عظيم-: ترك الذنوب والمعاصي، إن كل بلاء في الدنيا والآخرة بسبب الذنوب والمعاصي، فاتقوا الله إخواني، وقد ذكرت هذا في أكثر من أجوبة وذكرت الأدلة على ذلك، فاتقوا الله فإن الذنوب سبب لكل بلاء، سببٌ لعدم التوفيق، وسببٌ لضعف الهمة، وسببٌ للكسل عن الطاعة والعبادة، فاجتهدوا في طاعة الله واحذروا الذنوب والمعاصي، احذروا صغيرها قبل كبيرها.

أسأل الله أن يهدينا وأن يصلحنا وأن يقوي همتنا في طلب العلم وتعلمه وتعليمه ونشره، وفي التعبد إليه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه، إنه أرحمن الراحمين، وجزاكم الله خيرًا.