الأغاليط حول مسمى الدولة (مدنية أو دينية أو عسكرية)!


الأغاليط حول مسمى الدولة (مدنية أو دينية أو عسكرية)!

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبي بعده؛ أما بعد:
فإن السبب لكتابة هذه المقالة ما كنتُ أراه – منذ زمنٍ – عندما يُصابُ بعضُ الناسِ بالحيرةِ والارتباكِ أمامَ تقسيمات أهلِ السَّفْسَطَةِ؛ ممن يسعى لنشرِ وإذاعةِ المفردات الباطلة، ولذا يُعاني كثير من المسلمين حالَةَ شكٍّ وتَرَدّدٍ؛ عندما يُواجَهُ بتلك التقسيمات المُحْدَثةِ لمسمَّى الحُكمِ والدولة؛ كقولهم: ( الدَّولةُ المدنية ..
والدولة الدينية ..
والدولة العسكرية ..،
و…)،
وذلك بديلاً عن مصطلحات الدولة العادلة (عسكرية أوغير عسكرية)،..
والدولة الظالمة (عسكرية أوغير عسكرية)، ..
ودولة تحكم بالكتاب والسنة (عسكرية أوغير عسكرية)، .. ودولة لا تحكم بالكتاب والسنة (عسكرية أوغير عسكرية)، …
ولذا نقول:
1- لقد اجتالت الشياطين أكثَرَ الناس عن كثيرٍ مما هُمْ عليه من الحَقِّ والعِلمِ والعَدْل، حتى فشا الجهلُ وعَمَّ الظلْمُ بلادَ الإسلام، فَسُلب المسلمون كثيراً من المعارف والعلوم الصحيحة، وغَزَتْهُم مفرداتٌ مُحدثةٌ ومصطلحاتٌ مُخترَعَة، حتى تمكنت من العقولِ والأفهامِ، وغَلَبَت على اللسان، فصارت لغةً سائدةً ناطقةً برأي جمهورِ الأُمَّة، وامْتُحِنَ الناسُ بهذه المُحْدَثات، وتحاكموا إليها بغيرِ هُدَى من الله..
قال الله تعالى: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ } [النجم: 23]، وقد روى البخاري (1359)، ومسلم (2658/ 22) في ” صحيحيهما” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوّدانه أو يُنَصّرانه أو يُمَجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء”.
2- وإنّ اختلافَ الناسِ في العلوم والرأي وسياسة الأمور؛ وتَفَرُّق الأمة إلى طوائف وطرائقَ قِدَدا، أَصْلُهُ التفرّقُ في السُّبُل والاضطرابُ في مصادر التَّلقي، بسبب تنوّع الخُلَطاءِ واختلافِ المشاربِ والبيئات.
فكلٌ قدْ أُشْرِبَ من هواه؛ والمرأ على دين خليلة، يتأثَّرُ بالموروث من دين الآباء والأجداد، ودين الخلاّن والمشايخ .
وعند النظر في الأسباب المهلكات؛ نجد اختلافاً في الطّرُقِ والجهات قد سلكها كثيرٌ من الناس وجعلوها منهاجاً في الدين والدنيا . فوجدنا منهم من كان عبداً لشيخه أو معلمه، أو عبداً لصحيفةٍ أو كتابٍ قَرَأَه! فانقاد للمسموع والمقروء واستسلم له، فسلك – بذلك – التابع طُرُق المتبوع بلا حُجّةٍ أو بُرهان غيرَ مدفوع.
3_ وسنَذْكُرُ مثالاً على ذلكم الإختلاف؛ تلكم القسمة المحدثة؛ أعني: وصف الحاكم بــ( المدني أو الديني أو العسكري)،
ونظامه: بــ( دولة مدنية .. دولة دينية .. ودولة عسكرية)،
وتسمية الحكم؛ بــ(الحكم المدني، والحكم الديني، والحكم العسكري) .. و غير ذلك من المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
4- ومن ثَم؛ّ تفريق المجتمع وإثارة الخلاف: (هل أنت مع دولة مدنية أم دولة دينية أو…أو …)، والنزاع بامتحان الناس بهذه المسميات المحدثة، وذلكم المعيار المخترع!
هل أنت مع دولة مدنية أم دولة عسكرية،..
هل أنت مع دولة (…) أو دولة (…) فيزداد الشرُّ ويتفرق الخلقُ بسبب هذه الشعارات والتقسيمات التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة وكلام الأصحاب؛ – سلف هذه الأمة -، ولم يقل أحدٌ من قرون الخير بهذه التقسيمات.

(القبولُ والتسليمُ بلا نَكير)

5- وتحت وطأةِ وسائل الإعلام المختلفة ومن تَتَرَّس بها – وأعني المقروءَ منها والمرئي والمسموع -؛ وما صاحبه من زخرفٍ زائفٍ وتزيينٍ لبعض المفردات والمسمّيات المخترعة، وذِكرِها في سياق الثناء والمدح حتى اسْتُعْبدت حواسّ البشر؛ فأصبحت لا تعرف المنكر منها، بل لا تقبل غيرها، وجعلت المسلمات وبعض المفردات الأخرى منبوذةً بالذمِّ والتنفير المتكرر حتى صُمَّت الأسماع وعَميت الأبصار، وفُرضت على الناس تراكيبُ إضافية غير معهودة في السياسة الشرعية المحمودة؛ كــ(الدولة المدنية والدولة الدينية والدولة العسكرية) . فالدولة مُسمّى معلوم، وقسيم ثابت، وأما المفردات الإضافية؛ كــ(المدنية والدينية والعسكرية) وغيرها فإنها مصطلحات تدور بين المدح والذم، كلٌ بحسب هواه، وعقله وما حَواه.
6- إنّ بعض أبناء المسلمين أصبحوا ضحايا مَعارفَ مَغلوطة، وآراء معكوسة وأفهام منكوسة، وبلغ الأمرُ بدعاة الضلالة إلى التضييق على من يقوم بنسبة شيء إلى الإسلام، وإخافته بأنه غريب على المجتمعات، يحمل من الرأي أَظْلَمَه، وحوصرت العقول في سجون وهمية، تخاف البوح بالصواب وتعاني غربة الحق، وأصبح أبناءُ الأمة يشعرون بالذل والضعف والهوان أمام مَدٍّ تَغْرِيبِيٍّ لأولئك المتعالمين الجدد، دعاة الفوضى والانفلات .

(مراجعات لمفهوم الدولة المدنية والدينية والعسكرية)

1-إنّ الأصلَ عند نشأة دولة ما، تنصيبُ حاكم واتخاذ أمير للجماعة – في تلك الدولة – يسوسُها بالعدل والأخلاق وفضائل الأعمال، حتى يتمّ لها تحصيل المصالح ودفع المفاسد..
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، قال ابن سعدي تفسيره: فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الخليفة، ونواب القاضي.اهـ وقد روى مسلم في “صحيحه” (2577/ 55) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال:” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا “. قال شيخ الإسلام في “مجموع الفتاوى” (18/ 157) : قوله: ” وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” : فإنها تجمع الدين كله؛ فإن ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به راجع إلى العدل .اهـ
• فلابد من سياسة الناس بأمور منها:
– العدل والابتعاد عن الظلم واجتنابه قدر الاستطاعة ( دولة ومجتمع بلا ظلم ) .
– القيام بالأعمال الصالحات (الأفعال والأقوال الفاضلة)، وهو البعد عن المحظورات قدر الاستطاعة (دولة ومجتمع بلا محرمات).
قال الله تعال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[الأعراف: 33]، قال ابن سعدي في تفسيره: [ ثم ذكر المحرمات التي حرمها اللّه في كل شريعة من الشرائع فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ}؛ أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما، وقوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}؛ أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك، {وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}؛ أي: الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق الله، والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فدخل في هذا الذنوب المتعلقة بحق الله، والمتعلقة بحق العباد،{وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا}؛ أي: حجة، بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد، والشركُ هو أن يشرك مع الله في عبادته أحد من الخلق، وربما دخل في هذا الشرك الأصغر؛ كالرياء والحلف بغير الله، ونحو ذلك.{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجري على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه].اهـ
• تنبيهات:
إن ما وصفوه واصطلحوا على مسماه بــ( الدولة المدنية)؛ لها نظام وقانون فيه واجبات ومحظورات.
وكذلك ما وصفوه بـ( الدولة الدينية)؛ لها نظام وقانون فيه واجبات ومحظورات.
ومثله ما أسموه بــ( الدولة العسكرية )؛ لها نظام وقانون فيه واجبات ومحظورات.
وأيضا ما ذكروه بـ( الدولة الديموقراطية )؛ فلها نظام وقانون فيه واجبات ومحظورات.
▫فإلى أيِّ حكم من الحكومات بتلك المسميات نصير ونتحاكم ؟!
وهل (الدولة المدنية)؛ دولة ظالمة أم عادلة ؟ وحاكمها ظالمٌ أم عادل؟
وهل (الدولة الدينية)؛ دولة ظالمة أم عادلة ؟ وحاكمها ظالمٌ أم عادل؟
وهل (الدولة العسكرية)؛ دولة ظالمة أم عادلة ؟ وحاكمها ظالمٌ أم عادل؟
وعند البحث عن جوابٍ لذلك ننتهي بأنه لا قيمة لمسمى (المدنية) و(الدينية) و(العسكرية)، بل الأمر متعلق بالعدل والظلم، والقسمة الصحيحة: دولة عدل ويقابلها دولة ظلم، فالمدح والثناء ينبغي أن يكون للدولة العادلة، والذم والتنفير وصف يلازم الدولة الظالمة.
ولذا فإننا لن نتحاكم إلى شعارات خالية المعنى، وفارغة المبنى، ولن نقبل التحاكم إلى نظام يصفونه بـ( النظام المدني)، ولا التحاكم إلى نظام يوصف بـ( النظام الديني)، ولا التحاكم إلى نظام لُقِّبَ بـ( النظام الديموقراطي)، ولا التحاكم إلى نظام وسموه بـ( النظام العسكري).
▫بل نتحاكم إلى نظام يسوس الناس بالعلم والعدل، ويحارب الجهل والظلم – بأنواعه – بين الراعي والرعية من وجه، وبين الرعية أنفسهم من وجه آخر، وينشر الخير والأخلاق الفاضلة في المجتمع، أيّاً كان ذلك المسمى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (28/ 68) : فأَىُّ من عدل فى ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الامكان؛ فهو من الأبرار الصالحين، وأى من ظلم وعمل فيها بجهل؛ فهو من الفجار الظالمين، إنما الضابط قوله تعالى: { إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم}.اهـ

(معيار العدل والأخلاق الفاضلة)

هل الخير والعدل من وضع البشر أم أوجده خالق البشر؟!
إن الخير كله من عند الله سبحانه ولا خير في الآراء والأهواء، قال تعالى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}[البقرة:120]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى “(3/ 114) : والإنسان مضطر إلى شرع فى حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذى يميز بين الأفعال التى تنفعه والأفعال التى تضره، وهو عدل الله فى خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميّزون به بين ما يفعلونه ويتركونه، وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس فى معاملاتهم؛ بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث كما قال النبى أصدق الأسماء حارث وهمام، وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادات، فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها، ولابد أن يعرف ما يريده؛ هل هو نافع له أو ضار، وهل يصلحه أو يفسده، وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضهم يعرفونه بالاستدلال الذى يهتدون به بعقولهم، وبعضه لايعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم لهم.اهـ
وقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}[النساء: 58]،
قال الشوكاني في ” فتح القدير”: قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل}؛ أي: وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل؛ لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلاً عن أن يحكم بها بين عباد الله.اهـ
• تساؤل: – لماذا أعرضوا عن المسمى المطلق للدولة: دولة أو حكومة (عادلة)، واستبدلوه بتركيب إضافيّ وجعلوا مطلق الدولة والحكومة مُقَيّداً بـ( المدنية) أو مقيداً بـ( الدينية) أو مقيداً بـ( العسكرية)؟
إنّ هذا الفعل نوعٌ من الحَشْوِ والتلاعب بالألفاظ لا قيمة له، عندما نجعل العدل والعدالة واجتناب الظلم هي الحكَم المطلق الأوحد على مسمى الدولة دون نظر إلى أي قيد آخر، وإن فوضى التلاعب بالمفردات والألفاظ ووضع قيد محدث غير قيد عَدْل الحاكم وعدالة الحُكم – قدر الاستطاعة -، ما هو إلا وسيلة للسيطرة على الحكم، واستيلاء جهة ما على مقاليد الأمور دون غيرها بعد عمل منظم يهدف لإقصاء المنافس بالأوصاف والمسميات والاصطلاحات التى أُحْدِثَتْ لتكون وسيلةً وعونا ً قي تلك المَهَمّة! وذلك بعد جعل مسمّى الدولة (الدينية) والدولة (العسكرية) قدحاً وذَمًّا، حتى وإن كانت دولةً عادلةً، والحاكمُ إلى العدل أقرب من غيره !
[ هل تعنينا مهنة الحاكم (المرجعية المهنية) أم أن مهنة الحاكم لا تعنينا بشيء؟! ]
إن المطلوب من الحاكم هو ما يتعدى أثره على المحكوم، وهي القدرة على إدارة شئون الرعية بالأمانة والعدل – قدر الاستطاعة -، سواء كان ذا مرجعية عسكرية أو غير عسكرية!!

(كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميرا ومجاهدا في السلم والحرب)

إيقاظ: لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قائدا في غزواته وفتوحاته يتقدم أصحابه رضوان الله عليهم، فهل يعد حاكما عسكرياً في اصطلاح المعارضين، وكذلك الخلفاء الراشدون؛ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، هل كانت الخلافة ونظام الحكم والدولة (مدنية) أم (دينية) أم (عسكرية)؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (11/ 551) : وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس فى دينهم ودنياهم ثم بعد ذلك تفرقت الأمور، فصار أمراء الحرب يسوسون الناس فى أمر الدنيا والدين الظاهر، وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس فيما يرجع اليهم فيه من العلم والدين، وهؤلاء أولوا أمر تجب طاعتهم فيما يأمرون به من طاعة الله التى هم أولوا أمرها، وهو كذلك فسر أولوا الأمر فى قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}، بأمراء الحرب من الملوك ونوابهم، وبأهل العلم والدين الذين يعلمون الناس دينهم ويأمرونهم بطاعة الله.اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” (35/ 38): ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و سائر خلفائه الراشدين و من سلك سبيلهم من ولاة الأمور فى الدولة الأموية و العباسية أن الإمام يكون إماما فى هذين الأصلين جميعا الصلاة والجهاد، فالذى يؤمهم فى الصلاة يؤمهم فى الجهاد وأمر الجهاد والصلاة واحد فى المقام و السفر، وكان النبى صلى الله عليه و سلم إذا استعمل رجلا على بلد مثل عتاب بن أسيد على مكة و عثمان بن أبى العاص على الطائف و غيرهما كان هو الذي يصلى بهم و يقيم الحدود، و كذلك إذا استعمل رجلا على مثل غزوة كإستعماله زيد بن حارثة و ابنه أسامة و عمرو بن العاص و غيرهم، كان أمير الحرب هو الذي يصلي بالناس و لهذا استدل المسلمون بتقديمه أبا بكر فى الصلاة على أنه قدمه فى الامامة العامة، وكذلك كان أمراء الصديق كيزيد بن أبى سفيان و خالد بن الوليد و شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص وغيرهم أمير الحرب هو إمام الصلاة، وكان نواب عمر بن الخطاب كاستعماله على الكوفة عمار بن ياسر على الحرب و الصلاة و ابن مسعود على القضاء و بيت المال و عثمان بن حنيف على الخراج.اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (22/ 582):
الذى مضت به السنة أن الصلاة يصليها بالمسلمين الأمراء وولاة الحرب، فوالي الجهاد كان هو أمير الصلاة على عهد النبى وخلفائه الراشدين، وما بعد ذلك إلى أثناء دوله بنى العباس والخليفة هو الذى يصلى بالناس الصلوات الخمس والجمعة لا يعرف المسلمون غير ذلك.اهـ
والحمد لله على فضله وإحسانه.

كتبه. عبد العزيز بن ندى العتيبي
17 من ذي القعدة 1435
يوافق 12/ 9/ 2014