وقفات مع فكر القاعدة (6-6)

د. فيحان بن سرور الجرمان

وقفات مع فكر القاعدة 6- 6

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد 0

متابعة لما بدأناه في المقالات السابقة من مناقشة فكر القاعدة 0

قال الابن لأبيه: لماذا لا يكفر كل من وقع في الكفر كالموالاة للكفار ؟ فقال الأب اسمع يا بني وكن على بصيرة من دينك، فإنه لا يجوز تكفير المعين حتى تتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع ومن الشروط: أن يكون مكلفاً ، عالماً بالحكم ، مختارا ، ومن الموانع : التأويل السائغ ، والجهل ، والإكراه ، والشُّبه ، وعدم قيام الحجة ، وهذا متفقٌ عليه عند عامة السلف وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ، واعلم أيضا يا بني أنالتسرع في تكفير المعين من غير مراعاة للشروط والموانع من منهج الخوارج حيث إنهم اعتمدوا على بعض ظواهر النصوص ،وتركوا النصوص الأخرى من غير جمع بينها واقتصروا على فهمهم دون الرجوع إلى العلماء مع عدم النظر في أعذار الناس مما أدى إلى عدم الفقه في الدين وإطلاق الأحكام الكفرية على من لا يستحقها فقال الابن : رويدا ومعذرة عن المقاطعة يا أبتِ :كيف لا يَكْفر المسلم أو الحاكم المسلم بموالاة الكفار ؟ والله يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } فقال الأب: يا بني إن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المُعيَّن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يرد على الذين يكفرون بعموميات النصوص وينزلونها على المعين فقال في مجموع الفتاوى 12 / 487 ( وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ ) فتأمل يا بني هذه العبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التي تستحق أن تكتب بماء الذهب فاحفظها يحفظك الله بها من الزلل فقال الابن يا أبت إن منهج السلف قائم على الكتابوالسنة وفهم سلف الأمة فما الدليل على أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ؟ فقال الأب أحسنت يا بني على طلبك للدليل، والدليل على ذلك قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ – إلى أن قال تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} وقوله تعالىلَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الآيات في مجموع الفتاوى ( وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ مُوَادَّتُهُمْ لِرَحِمِ أَوْ حَاجَةٍ فَتَكُونُ ذَنْبًا يَنْقُصُ بِهِ إيمَانُهُ وَلَا يَكُونُ بِهِ كَافِرًا كَمَا حَصَلَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بلتعة لَمَّا كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } . وَكَمَا حَصَلَ لِسَعْدِ بْنِ عبادة لَمَّا انْتَصَرَ لعَبْدِ اللَّهِ بن أُبَيِّ بن سَلُولٍ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ . فَقَالَ : لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : كَذَبْت وَاَللَّهِ ؛ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ) 0 قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري عند قوله تعالى {وان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} ثم البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه )0 هذه الآيات التي ذكرتُها لك آنفا يا بني تدل على إطلاقها وظاهرها تكفير كل من يتولَّ الكفار ويظهر لهم المودة ولكن هذا التكفير المطلق لا يستلزم منه تكفير المعين كما ذكر ذلك أهل العلم ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع فقال الابن يا أبت يا حبذا لو ضربت لي بعض الأمثلة ليتضح لي معنى تكفير المطلق وتكفير المعين فقال الأب حسنا يا بني هذه عبارة ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) كفر أم ليست بكفر ؟ فقال الابن كفر يا أبت ومن قالها يخرج من الإسلام فقال الأبأحسنت وأيضا ، السجود لغير الله كفر أم ليس بكفر ؟ فقال الابن كفر يخرج فاعله من الإسلام فقال الأب أحسنت يا بني وأيضا مكاتبة المشركين وإفشاء سر الرسول عليه السلام كفر ونفاق أم ليس بكفر ولا نفاق ؟ فقال الابن كفر ونفاق لأنه يضمن إظهار المودة للكفار فقال الأب أحسنت يا بني فعقيدة أهل السنة والجماعة التفريق بين شهادة معلقة بوصف أو جنس وبين شهادة معلقة بعين أو بمعنى آخر إن التكفير المطلق عند أهل السنة والجماعة لا يستلزم منه تكفير المعين ، فتقول مثلا كل من سجد لغير الله فهو كافر وكل من قال اللهم أنت عبدي وأنا ربك فهو كافر وكل متبرجة ملعونة وكل شارب خمر ملعون فهذا الحكم على وجه الإطلاق وعلى سبيل العموم جائز ولا حرج في ذلك فإن كانالذي يشرب الخمر يستحق اللعن أصابه أو شمله اللعن وإن لم يستحق اللعن فأنت لم تقع في الخطأ أو في الإثم لأنك لم تلعنه بعينه وإنما أطلقتَ اللعن على سبيل العموم كما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله (لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا 00إلى آخر الحديث ) رواه أبو داود 0 فأهل السنة والجماعة لا يمانعون من قول: من قال كذا، أو فعل كذا، فهو كافر، ولكن حينما يتعلق الأمر بالشخص المعين الذي قاله أو فعله، لا يحكمون على كفره إطلاقاً، حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع ، فإذا رأيتَ رجلا قد شرب الخمر لا تقلْ عنه لعنه الله ولكن قل لعن الله شارب الخمر لأن لعن المعين أو تكفير المعين قد يكون هناك مانع يمنع من إطلاق هذا الحكم والدليل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري قال أبو هريرة رضي الله عنه قال ( أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَكْرَانَ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : لاَ تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) 0 وأيضا يا بني أهل السنة والجماعة يفرقون بين القول والقائل وبين الفعل والفاعل فالفعل أوالقول قد يكون كفر لكن الفاعل أو القائل قد لا يكفر لأن الكفر أو النفاق أو اللعن ، عندما يتعلق بالشخص فأهل السنة والجماعةيتورعون عن تكفير المعين أو لعنه حذرا من قوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا كَفَّرَالرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) والحديث في مسلم وفي البخاري (لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ) فلا يحكمون عليه أنه كافر أو منافق لأن الحكم هنا يتعلق بذات الشخص وعينه لا بالقول أو الفعل فلا يحكم عليه أنه كافر حتى تتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع ،وسأضرب لك بعض الأمثلة أولا : ما جاء في صحيح مسلم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍفَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ) فانظر يا بني إلى قوله فالقول كفر لكن القائل لا يكفر لوجود المانع وهو الخطأ من شدة الفرح ثانيا : لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه و سلم . قال ( ما هذا يا معاذ ؟ ) قال أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم . فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم (فلا تفعلوا000 ) أخرجه ابن ما جه 0فانتبه يا بني ، فالفعل محرم وقد أجمع العلماء أن السجود لغير الله شرك ومحرم وأما الفاعل وهو معاذ رضي الله عنه فحاشا أن ينطبق عليه فعله لوجود مانع وهو الجهل والتأويل 0 وهذا الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة في عصره قال شيخ الإسلام ابن تيمية عنه ( فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد – مَثَلًا – قَدْ بَاشَرَ ـ ” الْجَهْمِيَّة ” الَّذِينَ دَعَوْهُ إلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ وَامْتَحَنُوهُ وَسَائِر عُلَمَاءِ وَقْتِهِ وَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ عَلَى التَّجَهُّمِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالْقَتْلِ 0000 وكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ إذْ ذَاكَ مِنْ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ : يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ جهميا مُوَافِقًا لَهُمْ … ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ. مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وحللهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكَفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُعَيَّنِينَ مِنْ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ :الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَما نُقِلَ عَنْ أَحْمَد ممَا يَدُلُّ عَلَى كفر المعينِ ؛ فَلِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ؛ فَلِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ هَذا ) ولم ينتقم الإمام أحمد لنفسه ممن عذبه وحبسه كما تفعل القاعدة الآن في باكستان من قتل المسلمين وترويعهم انتقاما لقتل أسامة ، وفي ختام وقفاتي مع فكر القاعدة أسأل الله ـ عز وجل ـ أن يهدينا للحق ويعيننا على التزام الطريق الصحيح، ويثبت قلوبنا على عقيدة السلف الصالح والحمد لله رب العلمين .

كتبه \ فيحان الجرمان


شارك المحتوى: