وقفات مع فكر القاعدة (4- 6)

د. فيحان بن سرور الجرمان

وقفات مع فكر القاعدة 4- 6

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد 0

متابعة لما بدأناه في المقالات السابقة من مناقشة فكر القاعدة 0

قال الابن لأبيه يا أبتي لقد قلتَ إن منهج القاعدة لا يرى المسلمَ مسلما إلا من شهد له أو كان معهم ، ولا إسلاما إلا الذي هم عليه فما الدليل على ما تقول ، فقال الأب الدليل على ما أقول قول أسامة بن لادن في تفجيرات 11 سبتمبر ببرجي التجارة العالمية في أمريكا 🙁 إن هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط كفر أعاذنا الله وإياكم منه ) فقال الابن معذرة يا أبتي ما معنى الفسطاط وماذا يقصد به ؟ فقال الأب الفسطاط يطلق على البنيان أو على الخيمة، وهو يقصد أن الناس على فريقين لا ثالث لهما فريق إيمان لا نفاق فيه وفريق كفر ، وهو بهذا التقسيم يكفر كل من لم يؤيد هذا التفجير ، والتكفير حكم شرعي لا يخرج عن الكتاب والسنة وحينئذ لا يجوز أن نكفر إلا من كفره الله ورسوله ، والعجيب يا بني أن أتباعه أيدوه في قوله ، وكأن كلامه من كلام الوحي أو النبوة يجب أن نسلم له تسليما ، بل حلت محل لا إله إلا الله وذلك قوله ( إن هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط كفر )0 فجعل أحداث 11 سبتمبر هي الفيصل بين الإيمان والكفر وجعل أيضا لها نواقض كما أن لا إله إلا الله لها نواقض فمن نواقض الإيمان عند أسامة والقاعدة عدم تأييد تفجيرات 11 سبتمبر فمن لم يؤيد فهو داخل في فسطاط الكفر، والمؤيد لها نال إيمانا لا نفاق فيه ، فقال الابن على رِسْلك يا أبتي أليست هذه عقيدة الإرجاء ؟! فقال الأب بلى يا بني ، إن القاعدة لطالما وصفت العلماء وطلاب العلم وكل من لا يقف معها ” بالإرجاء ” وهاهي تقع في الإرجاء حيث وصفت كل من أيد تفجيرات 11 سبتمبر بأنه مؤمن لا نفاق فيه ، وعلى ذلك لا يضر معه معصية ولا كفر ولا نفاق فبمجرد التأييد يدخل في فسطاط إيمانا لا نفاق فيه ،وكأن فعلهم هذا أعظم من فعل أهل بدر حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لهم لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ) بمعنى أن الله يغفر لهم ما قد يقع منهم من الذنوب بسبب تلك الحسنة التي فعلوها وهي غزوة بدر لكن القاعدة كلامهم ليس فيمن قام بالفعل وإنما بالمؤيدين والمعارضين فوصفوا المؤيدين للتفجيرات بالإيمان الذي لا نفاق فيه ووصفوا المعارضين لها بالكفر ، فما هو الوصف الذي سيناله أو يستحقه من قام بهذه التفجيرات عند أسامة والقاعدة ؟!!! 0 فقال الابن يا أبتي لماذا لا يكون كلام أسامة بن لادن صحيحا بناءً على أن التفجير عمل صحيح ؟ !!! فقال الأب يا بني هناك قاعدة ” ما بني على باطل فهو باطل ” إن هذه التفجيرات التي تحدث هنا وهناك ليس فيها مصلحة وإن وجدت فيها مصلحة فمفسدتها أكبر من نفعها وذلك لأمور ثلاثة الأمر الأول: قد قتل فيها الصبي والمرأة والكبير والصغير وقد قتل فيها بعض المسلمين وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله ولا تقتلوا (صبيا ولا امرأة ولا كبيرا هرما ) هذا في حق الكفار، فكيف يا بني بمن يقتل مسلما ؟!!! ثم قد علمتَ فيما مضى في المقال الثالث حكم من دخل ديار الكفار عن طريق التأشيرة أو الجواز وهو بمثابة “عقد وأمان” فراجعه فإنه نافع 0 الأمر الثاني : ليس مُسَوَّغاً وجائزا الإضرار بالعدو والنكاية به وحده دون النظر إلى المصلحة ، ولا شك أن الإضرار بالعدو مطلب شرعي ولكن هذا المطلب الشرعي إذا كان يترتب عليه مفسدة أعظم من مصلحته فإنه يحرم فعله ويكون منهيا عنه والدليل على ذلك قوله تعالى {وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) فقد نهى الله رسولَه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة ومطلب شرعي وهو إغاظة المشركين ، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ الله ) وقد نص على ذلك ابن كثير وغيره من أهل العلم وهو إجماع لا خلاف فيه قال ابن القيم رحمه الله ( فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً إلَى الْمَفْسَدَةِ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رحمه الله وَالْقَوْلُ بِسَدِّهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } , فَمَتَى خَافَ الْمُسْلِمُ إذَا سَبَّ دِينَ الْكُفْرِ يُؤَدِّي إلَى سَبِّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الْإِسْلَامِ أَوْ أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسُبَّ دِينَهُمْ وَلَا صُلْبَانَهُمْ , وَلَا مَا يَتَعَرَّضُ إلَى مَا يَدْعُو إلَى ذَلِكَ , قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ . وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ ) وقال العلامة ابن باز رحمه الله:( فلابد من رعاية العواقب , ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله أن الإنسان إذا كان أمره بالمعروف في بعض الأحيان قد يفضي إلى وجود ما هو أنكر من المنكر الذي يريد أن ينهي عنه , فإنه لا يجوز له أن ينهى عن المنكر في هذه الحالة إذا كان إنكار المنكر يفضي إلى ما هو أنكر منه وأشد )

والأمر الثالث : ما قامت به القاعدة من تفجيرات هنا وهناك مفسدته أعظم من مصلحته وذلك أن أمريكا لا أحد يشك أنها دولة كافرة تسعى سعيا حثيثا لمصلحتها الخاصة مع محاربة الإسلام بأي وسيلة وتهرع إلى أي مدخل لاجتثاث الإسلام ، ولا شك أن القاعدة أعطت لأمريكا مبررا لكي تتدخل في جميع الدول الإسلامية بذريعة محاربة التطرف وعلى رأس هذه الدول أفغانستان والعراق وكان سبب انهيار دولة طالبان والعراق على يد القاعة بسبب تصرفها وحماقتها ، فقال الابن يا أبتي أفهم من ذلك أن كلام أسامة خطأ حينما قال:( إن هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط كفر أعاذنا الله وإياكم منه ) فقال الأب نعم يا بني لأن التكفير حكم شرعي لا يكون إلا عن طريق الوحي ، وكلام أسامة بن لادن لا يقوله إلا نبي يوحى إليه، وهذا ما سَأُتِم بيانه لك إن شاء الله في المقال الخامس، فانتظرونا والحمد لله رب العالمين.

كتبه \ فيحان الجرمان

 


شارك المحتوى: