هل بَيع الدَّين بالدَّين محرم مطلقًا، أو تستثنى منه صور؟ وهل هناك ما يدل على حرمته؟

د. عبدالعزيز بن ريس الريس

هل بَيع الدَّين بالدَّين محرم مطلقًا، أو تستثنى منه صور؟ وهل هناك ما يدل على حرمته؟

 

يُقَالُ جوابًا على هذا السؤال: أن هذه المسألة مهمِّة، وقد أُدخِل فيها ما ليس منها، حتى ظُنَّ أنه مما يستثنى من بيع الدَّين بالدَّين.

وبالنظر في كلام العلماء السابقين يظهر لي – والعلم عند الله- أن بيع الدَّين بالدَّين محرَّم، وهذا بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع الإمام أحمد وابن المنذر وغيرهما من أهل العلم.

لكن قبل هذا، قد جاء في ذلك حديث أخرجه البزار من حديث ابن عمر: «نهى النبيصلى الله عليه وسلم عن بيع الدَّين بالدَّين»، أو «نهى النبي صلى الله عليه وسلمعن بيع الكالئ بالكالئ».

قال نافع فيما رواه البيهقي: أي: بيع الدَّين بالدَّين.

وهذا الحديث لا يصح عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، فقد ضعفه الإمام أحمد، وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على أنه ما يصح شيءٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع الدَّين بالدَّين، وإنما العمدة على الإجماع، وهذا يفيدنا أيضًا أنه لم يصح عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى أثر عن صحابي في حرمة بيع الدَّين بالدَّين، وبما أن في المسألة إجماعًا فيكفي؛ فإن الإجماع حجة عند أهل السنة.

وبيع الدَّين بالدَّين يرجع إلى صورٍ ثلاثة، وكل هذه الصور الثلاثة مجمع عليها:

الصورة الأولى: أن يكون الدَّين في الذمة، فإذا حلَّ وليس عند صاحبه ما يقضي به دَينه، قال له صاحب الدَّين: إذًا لك أن تتأخر في سداد الدَّين في مقابل الزيادة.

وهذا واضح أنه ربا، وهو ربا أهل الجاهلية، وقد حكى ابن المنذر وابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماع على حرمة مثل هذا.

– الصورة الثانية من صور بَيع الدَّين بالدَّين: تأخير تسليم رأس مال السَّلَم، وتأخير تسليم رأس مال السَّلم محرَّم بالإجماع، حكى الإجماع ابن المنذر وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم وجماعة من أهل العلم.

ومعنى تأخير رأس السلَم يرجع إلى معرفة السَّلَم، ومن المعلوم أن السَّلَم فيه تقديم الثمن وتأخير المثمَن، فيكون عند الرجل مزرعة، فيها نخل وتمر، وهذا النخل والتمر يحِلُّ في الوقت أو ينضج في الوقت الفلاني، لنفترض أنه بعد ستة أشهر، فيأتي رجل عنده مال، فيقول له صاحب التمر: أعطني مالًا في مقابل أن أعطيك التمر الذي وصفُه كذا، وكَيلُه كذا إلى آخره، وعلى أن أعطيك التمر في الوقت الفلاني بمبلغ كذا وكذا، وفي الغالب يكون المبلغ أقل.

فمثل هذا فيه تقديم الثمن وتأخير المثمن هذا جائز، وهو السَّلَم، وفيه حديث ابن عباس وغيره.

لكن المحرَّم ما هو؟

هو أن يتأخر أيضًا تسليم الثمن بأن يقول مثلًا: التمر الفلاني الذي سبق وصفه تأخذه مني بعد ستة أشهر، إذًا يقول ذاك الرجل وافقت فأعطني خمسة آلاف ريال، قال: لا مانع عندي، لكن أعطيك خمسة آلاف بعد شهر أو بعد شهرين أو بعد أسبوع إلى آخره، فهذا فيه تأخير للثمن كما أن المثمَن مؤخَّر؛ لأنه سَلَمٌ، فمثل هذا محرَّم بالإجماع، كما تقدم بيان ذلك.

ومما يدخل في هذا ما شاع عند بعض التجار أنه يشتري من رجل بضاعة مثلًا بستين ألف ريال، وهذه البضاعة ستصل بعد شهر، فيقول المشتري: قيمة البضاعة دَين عَلَيَّ، إذا وصلت البضاعة بعد أسبوع، بعد شهر، أو قبل أن تصل بأسبوع إلى آخره أعطيك المال، هذا محرَّم وهو داخل في بيع السلم الذي لم يُسَلَّم، لم يُقبَض ثمنه.

وهذا شائع ومنتشر عند بعض التجار، فيقول: أنا سآتي بالبضاعة الفلانية مثلاً من الصين أو غيرها، فيقول ذاك الرجل المشتري: اشتريت منك هذه البضاعة، فالمفترض أنه إذا قال: اشتريت منك هذه البضاعة التي ستأتي بعد شهر ووصفها كذا إلى آخره أن يدفع المال مباشرةً، لكنه قال :أدفع لك المال بعد أسبوع أو بعد شهر أو بعد أن تأتي البضاعة إلى آخره، فمثل هذا محرَّم؛ لأنه لا يجوز في بيع السلم تأخير الثمن؛ وتأخير الثمن يعتبر من بيع الدَّين بالدَّين؛ لأن المثمن متأخر باعتباره سَلمًا، فإذا أخَّر الثمن أيضًا صار من بيع الدَّين بالدَّين، وهذا محرَّم بالإجماع.

– الصورة الثالثة من بيع الدَّين بالدَّين: ألا وهو قَلْب الدَّين، ما معنى قلب الدَّين؟

لنفترض أن رجلاً يريد من رجل عشرين صاعًا من تمر، فلما حل الوقت والسداد، قال: ليس عندي عشرون صاعًا من تمر، لكن اجعلها بعد شهر على أن أعطيك عشرين صاعًا من أرز أو أربعين صاعًا من أرز، قَلَبَ الدَّين، غَيَّره من تمر إلى شيء آخر، هذا يسمى قلب الدين، وهو محرّم بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع الإمام الشافعي في كتاب الأم والإمام أحمد رحمه الله تعالى، وابن المنذر، وابن تيمية، وجمع من أهل العلم.

هذه الصور الثلاثة هي من بيع الدَّين بالدَّين، وكلُّها محرَّمة بالإجماع.

وبعض أهل العلم توسع، وقال: إن هناك صورًا من بيع الدَّين بالدَّين وليست محرمة.

وبناء على هذا قال: أنه لا يوجد نصٌّ يحرِّم، ويمنع بيع الدَّين بالدَّين مطلقًا، وإن الحديث المذكور ضعيف، فإذًا لا يحرَّم بيع الدَّين بالدَّين مطلقًا، وإنما ينظر في كُلِّ مسألة بحسبها.

وهذا فيه نظر، وهو مخالف لصنيع العلماء الأوَّلِين.

وما ذكروا من الصور التي أرادوا إدخالها في بيع الدَّين بالدَّين، ثم أرادوا استثنائها، هي في الأصل لا تدخل في بيع الدَّين بالدَّين.

فمثلًا لو أن رجلًا يريد من رجل مالًا، تبايعوا على شيء، فلما تبايعوا على هذا الشيء أراد من الرجل هذا المال الذي في ذمته، فقال هذا الرجل: أسقِط الذي في ذمتك على أن أُسقِط الذي عندي، فمثل هذا جائز على أصح قولي أهل العلم؛ لأن هذا من باب إسقاط وإبراء الذمة، لا من باب البيع الذي يراد به التملّك إلى غير ذلك.

وأردت بهذا المثال الأخير أن أشير إلى مثلٍ من الأمثلة، أو إلى صورة من الصور التي ظن بعضهم أنه من بيع الدَّين بالدَّين، وعلى إثره قال: إن هذه الصورة جائزة، فعليه لا يقال: إن بيع الدَّين بالدَّين محرَّم مطلقًا.

والصواب والذي عليه العلماء الأوَّلون فيما رأيته أنهم يحرِّمون بيع الدَّين بالدَّين مطلقًا، وصوره هي الثلاث المتقدمة.

وما يُظَنّ أنه من بيع الدَّين بالدَّين ثم استُثنِي من بيع الدَّين بالدَّين هو في الواقع ليس من بيع الدَّين بالدَّين على ما تقدم تقريره.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وجزاكم الله خيرًا.


شارك المحتوى: