نوافل الصلاة

أحمد بن ناصر آل عبدالله

نوافل الصلاة

الحمد لله الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، أشهَدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، السعيدُ مَنْ أطاعه واتّقاه، والشقيُّ من خالَفَ أمرَهُ وعصاه، وأشهَدُ أَنَّ محمداً عبده ورسوله، نبيٌّ غَفَرَ الله له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان يقومُ من الليل حتى تفطَّرَت قدماه، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اتَّبعوه واقتدَوْا به في فعل الطاعات، وسلَّمَ تسليماً كثيراً. أما بعدُ:

عباد الله: اتقوا الله -تعالى-، فمن تقواه سبحانه المحافظة على أداء فرائضه، فإنها أحبُّ الطاعات إليه سبحانه، ثم تزوَّدُوا مع الفرائضِ من النوافل والتطوعات، يقول سبحانه: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).

ومعنى: (تَطَوَّعَ خَيْراً) فَعَلَ غير المفترض عليه، من صلاةٍ وصدقة وصومٍ وحَجٍّ، وغير ذلك من أنواع التطوُّعات. (فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) معناه: أنه سبحانه يشكُرُ لعبادِه فعلَ الطاعة، فيثيبَهُم على القليل بالكثير،وفي الحديث القدسي في صحيح البخاري يقولُ الله -تبارك وتعالى-: “وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ من أداءِ ما افترضتُه عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أُحبَّه“.

من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن جعل لكل نوع من أنواع الفريضة تطوعاً يشبهه، فالزكاة لها تطوع يشبهها من الصدقات، والصيام له تطوع يشبهه من الصيام، وكذلك الحج ، وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده، ليزدادوا ثواباً وقرباً إلى الله تعالى، وليرقعوا الخلل الحاصل في الفرائض، فتكمل الفرائض بالنوافل يوم القيامة ، ومن ذلكم الصلاة فلها تطوع يشبهها من الصلوات، يَجْبُرُ به العبد ما يحصُلُ في الفرائض مِنْ نقصٍ يوم القيامة، فقد جاء في الحديث الذي رواه ابوداود وأحمد وصححه الألباني: “أول ما يحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامة الصلاة المكتوبة، فإنْ أتَمَّهَا، وإلا قال الله -تعالى-: انظُروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ، فإن كانَ له تطوُّعٌ أكملتُ منه الفريضةَ، ثم يفعَلُ بسائرِ الأعمال المفروضةِ مثلَ ذلك“.

وروى أحمد وابن ماجه وصححه الألباني عن ثوبان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن).

وفي الصحيحين عن زيد :(أفضل الصلاة صلاةُ المرءِ في بيته إلا المكتوبة) قال الحافظ النووي رحمه الله:(وإنما حثَّ على النافلة في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد عن الرياء، وأصون من المحبطات؛ وليتبرَّك البيتُ بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان).

وتصح صلاة التطوع جالساً مع القدرة على القيام، قال الحافظ النووي – رحمه الله -:(وهو إجماع العلماء) وروى البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:( إن صلَّى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم).

ومن كرم الله أنه يصح أداء صلاة النافلة في الراحلة سيارة أو قطارا أو طائرة حال السفر بالإجماع كما ذكر النووي إلى أي جهة كانت .

عباد الله : من نوافل الصلوات صلاة الوتر وهو سنة مؤكدة جدا لحديث أبي أيوب الأنصاري رضى الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الوتر حقٌ على كل مسلم ، فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل،ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) رواه ابوداود وابن ماجه وصححه الألباني ، وعندهما عنه صلى الله عليه وسلم : (إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حُمرِ النَّعم، وهي الوِتر، وجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر)صححه الألباني.

ومن النوافل وهي أفضل النوافل لارتباطها بالفريضة السنن الرواتب: وهي اثنتا عشرة ركعة؛ لحديث أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنيَ له بيتٌ في الجنة) وهي أربع ركعات قبل صلاة الظهر وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء ، وإن صلى أربعا فهو أكمل لما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” بتّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها ، فصلّى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ، ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات ثم نام ).

وبإسناد صحيح عند ابن ابي شيبة موقوفا عن عبد الله بن عمرو أنه قال:” مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا بَعْدَ الْعِشَاءِ كُنَّ كَقَدْرِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ” وصح ذلك أيضا عن عائشة وابن مسعود ، وثبت عن كعب الأحبار عند النسائي أنه قال :”من توضأ فأحسن وضوءه ، ثم شهد صلاة العتمة في جماعة ، ثم صلى إليها [أربعاً مثلها] ، يقرأ فيها ، ويتم ركوعها وسجودها ؛ كان له من الأجر مثل ليلة القدر “.

ومن النوافل الفاضلة: ركعتا ما بين الأذان والإقامة : ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ، لِمَنْ شَاءَ» أمر مكرر يؤكد سنيتهما، والأذانان هما الأذان والإقامة.

ويتبع هاتين الركعتين ركعتا ما قبل صلاة المغرب فهما مؤكدتان بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ. لِمَنْ شَاءَ » رواه البخاري.

ومن النوافل الصلاة بعد الجمعة أربع ركعات، أما قبل صلاة الجمعة فيصلي المسلم صلاة مطلقة، وليس لها قبلها سنة راتبة مقدرة، بل يشتغل بالتطوع المطلق والذكر حتى يخرج الإمام ، لما رواه مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا صلى أحدُكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربعاً) وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم السنن الرواتب وفيه:(وركعتين بعد الجمعة في بيته) قال شيخ الإسلام ابن تيمية :(إن صلّى في المسجد صلَّى أربعاً، وإن صلّى في بيته صلّى ركعتين)، قال ابن القيم:(وعلى هذا تدل الأحاديث ).

ومن النوافل : ركعتا الضحى ، ووقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح حتى ما قبيل الزوال بربع ساعة تقريباً ، وأقلها ركعتان ، وأكثرها ثمان ركعات خفيفة ، وهما وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وأبي الدرداء، وهي وصية للأمة جمعاء، قال أَبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ».

وفي فضلهما روى مسلم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» روه مسلم.

وعند أحمد وصححه الألباني أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «فِي الْإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا صَدَقَةً»، قالوا: فمَن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: «النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنْ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُ عَنْكَ» .

ومن الصلوات الفاضلة صلاة الجنازة: الصلاة على الميت المسلم ، وهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي صارت للباقين نفلا ، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ) ، قِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ ؟، قَالَ : ( مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ) ، لما سمع ابن عمر هذا الحديث ضَرَبَ بِحَصَا كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ “.

وفقنا الله لطاعته ، ورزقنا الإخلاص والقبول .

أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد .

عباد الله : هناك نوافلُ لها أسبابٌ تُفْعَلُ إذا وُجدت هذه الأسبابُ، مثل تحية المسجد لِمَنْ دَخَلَهُ، وأراد الجلوسَ فيه، وسنة الوضوء، وصلاة الكسوف، وركعتي الطواف، فهذه النوافلُ تُفْعَلُ عند وجودِ أسبابها، وهذه هي النوافلُ الليلية والنهارية، وهي زيادة في عملِ المسلم، وإتاحة للفُرصة أمامه، ليتزوَّدَ لآخرتِه، وليتَّصِلَ بربه، ويرفعَ إليه شكواه وحوائجه ويتقرب إليه، وصلاةُ الليل أفضلُ من صلاةِ النهار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “أفضلُ الصلاةِ بعدَ المكتوبة صلاةُ الليل” (رواه مسلم).

فالتطوُّعُ المطلق أفضلُه صلاة الليل؛ لأنَّ الليلَ تنقطعُ فيه الشواغلُ، ويتفرغ فيه القلب لذكرِ الله، ووقتُ النزول الإِلهي إلى سماء الدنيا، ووقتُ إجابةِ الدعاء، فاجعَلُوا لكم نصيباً من قيام الليل، ولا تكونوا من الغافلين.

فإنَّ كثيراً من الناس اليوم يسهَرُونَ الليل إمَّا على اللهوِ واللعبِ أو على معاص والعياذ بالله .

اللهم آتِ نفوسنا تقواها زكّها أنت خير من زكاها، واجعلنا هداة مهتدين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألْحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم ألّف بين قلوبنا على التوحيد والسنة وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين .


شارك المحتوى: