ما الجواب على تجويز شيخ الإسلام ابن تيمية للولد أن يقتل أباه إن كان مشركًا، ويستدل بكلامه هذا أمثال داعش؟


يقول السائل: في “مجموع الفتاوى” ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الوالد إذا كان مشركًا جاز للولد قتله، فما توجيه هذا الكلام؟ وكيف يرد على من يقول: إن كلام شيخ الإسلام سبب في غلو أمثال داعش؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن نص كلام شيخ الإسلام الذي أشار إليه السائل هو أنه قال: في المجلد الرابع عشر في الصفحة الثامنة والسبعين بعد الأربعمائة، من “مجموع الفتاوى”: فَإِنَّ الْوَالِدَ إذَا دَعَا الْوَلَدَ إلَى الشِّرْكِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ وَيَنْهَاهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْوَالِدِ هُوَ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ.

وَإِذَا كَانَ مُشْرِكًا جَاز لِلْوَلَدِ قَتْلُهُ، وَفِي كَرَاهَتِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ”.

هذا النص تمسك به بعض الصوفية والمعادين لدعوة السنة والسلفية من الليبرالية وغيرهم، وقالوا: إن كلام شيخ الإسلام سبب لفكر داعش، كما أشار لذلك السائل.

وهذا الكلام خطأ، سواء كان بجهل من قائليه، أو بتعمد وتقصد عداءً لدعوة الحق، وعلى أي الاحتمالين كان، فإن هذا الكلام منهم خطأٌ قطعًا، وجناية على شيخ الإسلام جناية واضحة.

وذلك أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الحرب، وهو وإن لم يصرح بلفظ الحرب في الكلام المنقول عنه، ولكن السياق يدل على ذلك فإنه قال: وَإِذَا كَانَ مُشْرِكًا جَاز لِلْوَلَدِ قَتْلُهُ، وَفِي كَرَاهَتِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

والذي تنازع العلماء فيه هو قتال الولد لوالده في الحرب، هل هو مكروه أم ليس مكروهًا؟

وهذا الكلام لم ينفرد به شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، بل قرره علماء المذاهب الأربعة، فقد قرره الحنفية كما نقل ذلك الكاساني عنهم في كتابه “بدائع الصنائع”.

فقال الكاساني في المجلد السابع الصفحة الواحدة بعد المائة: “وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ أَبَاهُ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ بِالْقَتْلِ”.

تأمل قوله: “ويكره”، إذًا هو يجوِّزه، إذًا الحنفية يجوِّزون ذلك.

وقرَّر ذلك أيضًا المالكية، قال القرافي في كتابه الذخيرة: “فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ انْدَرَجَ فِي الْمُوصَى ببره؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمر بالشرك إِلَّا كَافِر، وَقَالَ أَصْبَغُ – هم من أئمة المالكية-،: يَقْتُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ، وَإِذَا امْتَنَعَ، فإنه يقتل”.

وفي “مختصر المُزني”، وهو من كتب الشافعية، قال: “ويتوقى الحرب بقتل أبيه”، فلم يبين أن قتله محرم، بل جاء عن الشافعية كما في “التنبيه” للشيرازي، قال: ويتجنب قتل أبيه أو ابنه إلا أن يسمع منه ما لا يصبر عليه من ذكر الله تعالى، و ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم، أي: بالقدح، فإن له أن يقتل أباه وابنه.

إذًا، هذا الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكره علماء المذاهب الأربعة، فلم ينفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذلك كما تقدم في الحرب.

فإذا التقى الابن وأبوه في الحرب، فإن للابن المسلم أن يقتل أباه الكافر، وكذلك للأب المسلم أن يقتل ابنه الكافر، وتنازع العلماء في الكراهة.

فإذًا ينبغي أن يُعلَم – وهذا أمر مهم- أن هذا لم ينفرد به شيخ الإسلام، فليس اللوم على شيخ الإسلام، بل هذا كلام العلماء من علماء المذاهب الأربعة كما تقدم.

الأمر الثاني: أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كغيره من العلماء كثير في وجوب بر الوالدين، وأن عقوقهما كبيرة من كبائر الذنوب، فمن قرَّر ذلك فكلامه واضح في حرمة القتل ولا شك، ولا يقول عالم ولا عاقل بجواز قتل الابن المسلم لأبيه المسلم، وإنما الكلام في الحرب على ما تقدم ذكره، واختلف العلماء في الكراهة.

ومما ذكر شيخ الإسلام كما في “الفتاوى الكبرى” في المجلد الثالث، الصفحة السابعة والثلاثين بعد الأربعمائة، قال: “فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ جَعَلَ مِنْ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ أَبَا غَيْرِهِ لِئَلَّا يَسُبَّ أَبَاهُ، فَكَيْفَ إذَا سَبَّ هُوَ أَبَاهُ مُبَاشَرَةً:

فَهَذَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَمْنَعُهُ عَنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، الَّذِي قَرَنَ اللَّهُ حَقَّهُمَا بِحَقِّهِ حَيْثُ قَالَ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } [الإسراء: 23]، إلى أن قال: فَكَيْفَ بِسَبِّهِمَا؟ لأنه ذكر قوله تعالى: { فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } [الإسراء: 23]، ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فَكَيْفَ بِسَبِّهِمَا؟

إذًا، كلام شيخ الإسلام يلتقي مع كلام غيره من العلماء، بل على ما أجمع عليه العلماء، وتواردوا من وجوب بر الوالدين وحرمة عقوقهما، وأن عقوقهما كبيرة من كبائر الذنوب، كما أمر الله في كتابه ببر الوالدين، وأمر بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، ونهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن عقوق الوالدين، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبيرة من كبائر الذنوب.

إذا تبين هذا، فكلام شيخ الإسلام واضح جلي في الحرب هذا أولًا.

وثانيًا: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بذلك.

وثالثًا: شيخ الإسلام كغيره من العلماء يأمر ببر الوالدين وينهى عن عقوقهما، ويبين أن عقوقهما كبيرة من كبائر الذنوب، فضلًا عن أن يجوِّز قتلهما.

هذا واضح جلي كالشمس في رائعة النهار، ولولا وجود من لبَّس في ذلك سواء بجهل أو بعلم لما استدعى الأمر إلى بيان مثل هذا، والعجيب أن يثير هذا بعض الصوفية ممن هم شافعية في الفقه، ويريد أن يجعل هذا منطلقًا للقدح في شيخ الإسلام والشافعية أنفسهم يقررون هذا كما تقدم.

وليس غريبًا من الصوفي أن يقدح في شيخ الإسلام؛ لأن شيخ الإسلام داعية توحيد وسنة، وهو محارب للبدع التي أحدثها الصوفية، لكن الغريب أن يجعل شيخ الإسلام منفردًا بذلك دون بقية علماء المذاهب الأربعة، وقد تقدم النقل عن علماء المذاهب الأربعة، وأنهم موافقون لشيخ الإسلام.

ثم الأغرب من ذلك أن يغتر بذلك بعض شباب السنة ويستشكله، وينبغي لأهل السنة أن يعرفوا لعلماء السنة قدرهم، وإذا وقفوا على كلام مشتبه لهم فليردوه إلى المحكم من كلامهم، وليردوه إلى حالهم وسيرتهم المعروفة في التمسك بالكتاب والسنة.

فأدعو أهل السنة أن يكونوا واثقين في علماء السنة، وأن يكونوا متحصنين حتى لا يدخل عليهم أهل البدع ولا دعاة العلمانية والفساد، فإن كثيرًا من العلمانية وأهل الفساد استغلوا مثل هذا للطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية.

لكن الطعن الذي يكون بكذب، وبغير برهان ولا دليل يعود على صاحبه قطعًا، بل يكون سببًا لنشر الخير، فإن الله إذا أراد أن ينشر خيرًا أظهر الباطل، ثم بعد ذلك أظهر الخير ليعلو ويزكو ويرتفع.

وقد أشار لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في أوائل كتابه “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”.

وقول السائل: وكيف يرد على من يقول: إن كلام شيخ الإسلام سبب في غلو أمثال داعش؟

تقدم الكلام على هذا، وأزيد أمرًا هو أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في حرمة الخروج على الحاكم، وفي حرمة قتال الكافر الذي أعطي العهد والأمان، وحرمة غدر الكافرين، كثير للغاية.

وقد نقلت طرفًا من ذلك في كتابي الذي رددت فيه على دعاة التكفير، وهو بعنوان “البرهان المنير في دحض شبهات أهل التكفير والتفجير”، وهو موجود في “موقع الإسلام العتيق” لمن شاء ذلك.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمَنا ما يَنْفَعَنَا، وأن يَنْفَعَنَا بما عَلَّمَنَا، وجزاكم الله خيرًا.


شارك المحتوى: