د.يوسف الكودة ، والمنزلة بين المنزلتين ، والخلطة الاقتصادية..!!

د. عارف بن عوض الركابي

د.يوسف الكودة ، والمنزلة بين المنزلتين ، والخلطة الاقتصادية..!!

كتبهــــا : عارف عوض الركابي

 

أفادني أحد الإخوة بأنه سيبث لقاء بقناة العربية بعد ظهر يوم الجمعة الثالث لشهر ربيع الآخر لعام 1431هـ الموافق 19 مارس 2010م ، ويدير الحوار تركي الدخيل عبر برنامج يسمى إضاءات ، ويستضيف الدكتور يوسف الكودة رئيس حزب الوسط الإسلامي السودان. حرصت على حضور اللقاء وسماع ما يتم طرحه من قضايا خاصة في هذه المرحلة ، وعلى الرغم من أني على دراية بفكر يوسف الكودة وبمراحله وتنقلاته ، ولدي توثيق لما ينشره من أفكار وآراء ، منذ وقت طويل ، بالرغم من كل ذلك إلا أني لم أكن أتوقع أنه قد بلغ هذا المبلغ ووصل إلى هذا الحال!!!وقد طالب الكودة في حلقته الرئيس البشير بالتنحي عن السلطة ، وطرح قضايا شرعية فقهية ، وبيَّن موقفه من بعض الدعاة … الخ.وكان من الأسئلة التي وجهها المقدم ــ الذي كان حريصاً على الخروج من اللقاء ببعض النتائج لتنشرأو لينشرها بنفسه ! وقد خرج الدخيل من حلقته من ضيفه المسكين بصيد ثمين!!! وبالفعل فقد كتب تركي الدخيل مقالاً بعد اللقاء بيوم واحد ، ونشره بصحيفة الوطن السعودية ، وانتقى بعض النتائج التي خرج بها من اللقاء ثم حكم بأن يوسف الكودة متأثر بمنهج الترابي وأكد ذلك وقال : وإن زعم الكودة أن له رداً على الترابي. أعود للسؤال الذي وجهه المقدم للكودة عندما سأله عن موضعه الآن ، أهو مع أنصار السنة ؟ أم مع الإخوان المسلمين ؟ وقد تلكأ الكودة ثم أجاب بقوله : أنا في الوسط ، فقال له إذاً أنت في منزلة بين المنزلتين ؟ فأقر الكودة بذلك ! وليس القصد بالتأكيد بالمنزلة بين المنزلتين ما يعتقده المعتزلة تجاه أصحاب الكبائر من هذه الأمة ، فهذا مما لا يعتقده الدكتور الكودة ، ولكنها “منزلة بين المنزلتين” قصد بها أنه ليس من أنصار السنة كما أنه ليس من الإخوان المسلمين فهو بينهما! ولا ندري كيف ستكون هذه المنزلة !! وهذه البينية ؟!! والذي يهمني في هذه الجزئية ، أن الكودة وآراءه “المثيرة للجدل” لا ينبغي أن تنسب للسلفيين ، ولا أن تنسب لأنصار السنة إن كان المقصود بأنصار السنة المعنى العام وهم من يدعون لعقيدة السلف الصالح ويهتمون بالتوحيد والاتباع ، أما إن كان المقصود بأنصار السنة المعنى الخاص وهو “المركز العام لجماعة أنصار السنة” كتنظيم فهو هيئة خاصة لا أتجاسر على التدخل في شؤونهم فالأمر إليهم إن كانوا يرون نشر وبيان أن الكودة لا يمثلهم أو لا يرون ذلك. وهذه الوقفة يعرف أهميتها من يتابع حملة التلبيس والتشويه التي يقوم بها بعض الكتاب لأجل سحب آراء وأفكار يوسف الكودة ومحمد أبو زيد وغيرهما وإيهام بعض الجهلة أنها آراء للسلفيين ، خاصة ما يكتبه الهادي محمد الأمين ، وصباح أحمد ، وبإذن الله سيكون لي مع بعض مقالاتهم ردود وتعقبات. فطالما أن الكودة ينسب آراءه لمنهجه (الشخصي) الذي هو منزلة بين المنزلتين!! ــ على حد إقراره ـ فلا يجوز حينئذ لشخص كائناً من كان نسبة ذلك للسلفيين في محاولة يائسة لإلزامهم بهذه السقطات والجهالات.وقد نقلت عشرات المواقع وكثير من الصحف تصريح الكودة بطلبه تنحي الرئيس البشير عن السلطة بحجة أنه سيجنب البلاد كثيراً من المشاكل! وقد طار فرحاً بذلك من يفرحهم هذا الكلام ، وإن كان بعضهم من أبغض الناس للكودة في ماضيه وحاضره !! ولم يأت الكودة بأدلة شرعية واضحة بنى عليها هذه المطالبة ، وقد قدم طرحه كما يقدمه أي شخص في مركبة عامة ، أو وسط سوق خضار، أو في مناسبة زواج أوما أشبه ذلك ، وهكذا أكثر القضايا التي تعرض للحديث عنها لم يكن له فيها استدلالات شرعية واضحة وإنما هي العمومات ورمي الحديث جزافاً ، ولا أتوقع أن الكودة كان سيطرح هذه القضايا لو أن من يناقشه عالم أو طالب علم لديه معلومات شرعية تفصيلية في القضايا المطروحة. وقد عانى هذا السودان كثيراً بسبب بعض من سلكوا هذا المسلك ، كما وقد تجرأ كثير من الصحفيين والكتاب على طرح قضايا شرعية دون استدلالات أو نصوص شرعية ، إذ تجد الواحد منهم يصرح بما يخالف ما أجمعت عليه الأمة وكأنه يشرب ماءً عذباً !! ولا أدري هل يعتبر البعض أنه إذا صار زعيما لحزب وله أتباع يطيعونه طاعة عمياء أن ذلك يخول له أن يحرم ويحلل في دين الله تعالى ، ويأتي بآراء شاذة يخالف بها إجماع علماء المسلمين؟!!! أين أنت أيها الكودة من مثل قول الله تعالى : (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)؟! هل قضية هذه المحكمة الجنائية تحديداً تعتبرها قضية شخصية للرئيس البشير أم هي قضية أكبر من ذلك؟!وهل ستجنب البلاد الشرور بتحقيق ما طالبت به ؟! أم سيزداد الحال سوءاً وتعظم الفتن؟!لماذا تغيب عنك بعض الأبجديات في القضايا السياسية أيها الزعيم السياسي؟! وقد علق بعض القراء على تصريحات الكودة في بعض المواقع ومما قالوا : “شخص لم يستطع أن يجمع (15000) صوتاً لتزكيته ، كيف يرغب في المنافسة على رئاسة الجمهورية وهي تحتاج لملايين الأصوات؟!”وأضيف أنا : ماذا ستكون النتيجة لو تم ترشيح الكودة في دائرة لا يصوت فيها إلا السلفيون؟! أو في دائرة يكون الناخبون فيها الدعاة إلى الله من السلفيين فقط ولا يشاركهم غيرهم ؟! ندع الجواب بوضع التوقعات للكودة نفسه.وأما الخلطة التي أشرت إليها في عنوان المقال ، فهي إشارة إلى ما ادعاه الكودة (زوراً وبهتاناً) فيما يتعلق بالاقتصاد الإسلامي ، وأنقل هنا العبارة التي تم تثبيتها بموقع قناة العربية إذ جاء فيه : ” وقال الكودة إن الاقتصاد الإسلامي مصطلح غريب على الدين ولم يقل به سلف الأمة ، موضحاً أن الاقتصاد هو مزيج من الرأسمالية والشيوعية على حد سواء، ويأخذ المجتمع لنفسه ما هو بحاجة إليه”. قلت : سبحانك !!هذا بهتان عظيم ، هل الاقتصاد الإسلامي هو مزيج من الرأسمالية والشيوعية ؟!متى كانت تشريعات الإسلام ؟! ومتى وجدت الشيوعية التي ذهبت أدراج الرياح في ديارها ــ روسيا وأوربا الشرقية ــ وبقي ذيلها يتحرك في السكرات في بعض بلاد المسلمين؟! ومتى جاء النظام الرأسمالي الغربي ؟!للأسف أمثال الكودة كثر ممن يظهرون أمام الشاشات وينبهرون بتلك الكاميرات ، وينتج عن ذلك أنهم يقرون المحاورين على ما يستدرجونهم عليه من تصريحات ومواقف ، ألا فليعتبر بهؤلاء من يريد أن يسلك هذا السبيل.فقد قال المحاور للكودة : تعمل خلطة من الاقتصاد الرأسمالي والشيوعي ؟ قال الكودة : نعم ، قال المحاور : ونسميها “خلطة الكودة”؟! ثم ضحك !!!!! إن الاقتصاد الإسلامي علم له أصوله وخصائصه وأهدافه ، وهناك المئات من المؤلفات في هذا العلم وهناك كليات خاصة به ، والاقتصاد الإسلامي قائم على النصوص الشرعية وما قرره أئمة الإسلام في القديم والحديث وبه شق ثابت لا يقبل التغيير ولا التبديل ، وبه شق آخر متغير وهو ما يتعلق ببعض القضايا الجزئية ، وأنصح الكودة أن يراجع مستقبلاً ما يريد طرحه حتى لا يهرف بما لا يعرف ، وليكن قدوته العلماء الأجلاء ممن رسخوا في العلم ولا يقتدي بالترابي وأمثاله ممن اعتاد الناس منهم إلقاء الكلام دون استدلال صحيح أو نظر سليم . وبمثل ذلك يقال في دعوته لأن تتقلد المرأة منصب رئيسة الوزراء! ورأيه في انفصال الجنوب ! ولا أدري هل هذا الرأي قد درسه الكودة من الناحية الشرعية حتى ينشره عبر قناة فضائية باسم زعيم حزب إسلامي؟! فماذا يقول في الإخوة المسلمين من جنوب السودان ؟! وعلى الأقل طالما أنه يدعي مناقشة الأمر من نظر شرعي كان عليه أن يناقش الأمر بتفصيل على طريقة الباحثين الشرعيين ، ولكن لتأثره الواضح بزعماء بعض الأحزاب أبى إلا أن يكون حديثه في ذلك التعميم الذي يشبه إلى حد كبير ما يمكن أن يوصف بأنه : “ونسة دكاكين”.كما تضمن اللقاء طعنه وغمزه في بعض الدعاة وأن لديهم ما سماه بـــ “عشق التحريم” وقد انتقى هذه الجزئية المذيع تركي الدخيل في مقاله الذي أشرت إليه ونشر بصحيفة الوطن السعودية فقال : “كما صبّ جام نقده على السلفيين الذين رأى أنهم: “لم يفصلوا بين العمل الدعوي والسياسة إلا نتيجة لفهم خاطئ؛…” إن طعن الكودة المتكرر في الدعاة ومحاولة تشويه صورتهم أمر مفضوح ، وعلامة أهل الأهواء ــ دوماً ــ الطعن في علماء السنة والأثر ، لأنهم يبينون أخطاءهم ، ويكشفون باطلهم ، وإني أبشر الكودة بأن الدعاة السلفيين لباطله الذي ينشره بالمرصاد ، هو وغيره ، أداءً للأمانة ، ونصحاً للأمة ، وليس لدى الدعاة الصادقين ما يسمى بعشق التحريم ، وهل الواقع الآن في المعتقدات والأخلاق والمظهر العام في الأسواق والجامعات والالتزام بشعائر الإسلام يعاني من تغليب جانب التحريم ؟! أم التحليل؟! مع أني أبرأ إلى الله تعالى ويبرأ دعاة أهل السنة من التحريم أو التحليل بغير وجه صحيح ، ومن التطاول على الشريعة فإن التشريع حق لله تعالى ، ولكن طالما أن يوسف الكودة قد أنشأ حزباً به حضور نسوي كبير!! وطالما أنه يريد أن يسرح ويمرح ويطعن في قضايا شرعية محسومة ! فمن غير المستغرب أن يسعى للتضليل بأن هناك من لديه “عشق التحريم”. والدعاة إلى الله يدركون السياسة الشرعية ، التي تبنى على الشرع ، ويدرِّسون الكتب المؤلفة في ذلك في كلياتهم ومعاهدهم ومدارسهم ، وأما سياسة التلون والتقلب ومجاراة الأحزاب وزعمائها ، فهو مما ينزه الدعاة الصادقون أنفسهم ودعوتهم عنه. وأما الموقف من الانتخابات فإن السلفيين بالسودان بمختلف جمعياتهم ومنظماتهم قد أوصوا بالتصويت لرئيس الجمهورية عمر البشير ، انطلاقاً من النصوص والقواعد الشرعية ، ديانة لله تعالى وتعبداً وهم أعلم بحال وواقع البلاد ، كما أنهم أعلم بواقع وأهداف تجمع “الأحزاب” وقد صرحوا بموقفهم وهم في غاية الثقة والطمأنينة من شرعيته وموافقته للحق ، وليس لهم أدنى مصلحة خاصة ، أو خصوصية يحظون بها من الدولة في الحال أو المآل ، وتبقى تصريحات صاحب حزب الوسط مجرد “هراء” ، وإن حاول البعض أن يعتذر له فإنه سيقول : لعل موقفه بسبب عدم تمكنه من إدراج اسمه بين أسماء من ينافس على رئاسة السودان !!


شارك المحتوى: