توجيهات حول قنوت النوازل

عبدالله بن راشد الغانم

بسم الله الرحمن الرحيم

( توجيهات حول قنوت النوازل )

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه . وبعد:

سئل سماحة الشيخ/محمد بن عثيمين رحمه الله سؤالا نصبه :(هل يجوز القنوت لإخواننا المسلمين( اليوغسلافيين) في وقتنا هذا، أم لا؟

فأجاب رحمه الله:( الذي أراه أن القنوت عند النوازل يتوقف على ولي الأمر، كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد أنهم قالوا: يقنت الإمام فقط ، الإمام الأعظم أي: الملك، وكذلك إذا أمر بالقنوت قنتنا. فالأَولى في مثل هذا أن ينتظر أمرُ الدولة بذلكـ، إذا أمر به ولي الأمر قنتنا، وإلا فلا، وبقاء الأمة عل مظهر واحد خير من التفرق؛ لأنه مثلاً: أقنت أنا والمسجد الذي بجانبي لا يقنت، أو نحن أهل بلد نقنت والبلاد الأخرى لا تقنت، ففيه تفريق للأمة وتوزيع، وجمع الشتات من أحسن ما يكون، ولعل بعضَكم عَلِم بأن عثمان رضي الله عنه في آخر خلافته صار يتم الصلاة في منى، يعني: يصلي الرباعية أربعاً، فأنكر الصحابة عليه، حتى أن ابن مسعود لما بلغه ذلك استرجع، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فجعل هذا من المصائب، وكانوا يصلون خلفه أربعاً، فقيل لأبن مسعود : يا أبا عبد الرحمن، كيف تصلي أربعاً وأنت قد أنكرتَ عليه؟ فقال: [إن الخلاف شر]. فكون الأمة تكون على حال واحدة أفضل؛ لأن طلبة العلم تتسع صدورهم للخلاف؛ لكن العامة لا تتسع صدورهم للخلاف أبداً. فالذي أنصح به إخواننا أن لا يتعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، مع أن باب الدعاء مفتوح، يدعو لهم الإنسان في حال السجود، وبعد التشهد الأخير، وفي قيام الليل، وبين الأذان والإقامة، أعني: لا يتعين الدعاء في القنوت فقط، صحيح أن القنوت مَظْهَرٌ عام، ويجعل الأمة كلها تتهيأ للدعاء وتتفرغ له؛ لكن كوننا نترك كل واحد بهواه ونفرِّق الناس فلا. هذا ما أرى أنه جيد.)انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

والحقيقه أن من يقرأكلام الشيخ رحمه الله يجده ينطبق على واقعنا اليوم بالنسبه لما حل بإخواننا المسلمين في غزه(فرج الله كربتهم ونصرهم على عدوهم) ويمكن أن نستفيد من كلامه رحمه الله مايلي :

أولاً:أن العلماء وولاة الأمر هم الذين يميزون النوازل من غيرها ولا يجوز لأي أحد مهما كان أن يعتدي على حق العلماء أو ولاة الأمر ويعتد برأيه ويعمل ماشاء

ثانيا: أن يكون فعل الإنسان ملازما للجماعة وأن يحذر من الفرقة فإن الاجتماع رحمة والفرقة عذاب ويجب علينا في هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية أن نكون يداً واحدة وصفاً واحداً خلف علماءنا وولاة أمرنا، لنسلم من الفتن ومن زعزعة الأمن وأن لانكون سبباً في شق عصا الطاعه وتفريق الجماعة، وخاصة إمام المسجد فإنه مؤتمن ومسئول أمام الله عن هذه الإمامة أحفظها أم ضيعها، فإن أحسن فله وللمصلين، وإن أساء فعليه ،والمصلين منه براء، فهم في ذمته ،و العجب أن بعضاًً ممن يؤمون المصلين لايطبقون ماتعلموا، فعندما يتقدم بالناس نجد أنه لاينظر نظر السنة بل نظر هواه ومايريد، سواء ً كان إماماً أو خطيباً، وهذا يخالف الأمانة التي أؤتمن عليها، والواجب على المصلين أن يسألوا الإمام عن بعض أفعاله، على ماذا استند في هذا الفعل أهو سنه أم من تلقاء نفسه؟فإن بعض حالات القنوت وخطب الجمعة بالنسبة للمواضيع إنما هي من تلقاء نفسه.

ثالثاً:إن بعض حالات القنوت وخطب الجمعه قد تكون من تلقاء نفس الإمام، وكأن بيوت الله بنيت للشعارات ونشرات الأخبار، ولأن يقول فيها كل شخص بما يشاء دون احترام لمشاعر المصلين وعقولهم، ومحافظة على أعظم مايملكون، وهي الصلاة، فليتق الله كل إمام وخطيب ولايعمل إلا بما وافق السنة، ويتفقه في دينه، فلا يؤخذ الدين والتوجيه من المجاهيل ومن مواقع النت المجهولة أو من رسائل الجوال، فتجده إن حدث أمر ما سارع بعض الناس وخصوصاً المنتسبين للعلم والدين في الحكم عليه، وأخذ توجيهاتهم ممن لاعلم عنده، أو بضاعته كاسده في ذلك ،والله تعالى يقول:{ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}وولاة الأمر والعلماء في بلادنا هم من يجب أن تؤخذ أقوالهم وتسمع توجيهاتهم ويسار خلفهم حتى نسلم من مخالفة شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما ذكرته سابقاً وقد حذر تعالى من مخالفة أمره وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال جل ذكره:{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنه أويصيبهم عذاب أليم}وكذلك لزوم الجهات المختصه المسؤلة عن المساجد والأئمة وهي التي كلفها ولي الأمر بذلك ولزوم تعليماتها فهي تؤدي واجباتها تجاه دين الله وبيوت الله بقدر الاستطاعة ،وإن لم يكن لدى الإمام والخطيب وازع من دينه فلن تنفع معه رقابة ولاتوجيهات.

وختاماً فلي وقفتان من خلال الأيام السابقة:

الأولى:انك تعجب عندما يؤمر بالحديث عن موضوع كالإرهاب ونبذه ونبذ المتلطخين بالفكر المنحرف وإستنكار أفعالهم يقول: لاأريد الكلام، فهذه فتنة ،أو نجده يترك مسجده ليصلي غيره حتى لايتكلم عن هذا الأمر، وبالعكس نجد أنه عندما ينهى عن أمر فإنك تجد بعض من الأئمه يسارعون لفعله وخصوصاً القنوت،فوجدنا من سارع للبحث عن الإمام الذي يقنت مع انه لم يستبصر هل قنوت هذا الإمام جاء وفق المنهج النبوي.

الثانية:إذا رغب الإمام بالقنوت فيدعو بما ورد دون إطالة ،ودون أن يكون القنوت نشرة أخبار وسرداً للأحداث، ونتكلم فيه بما يفسد على المصلين صلاتهم، ويشرح جميع مايحدث في الحروب، فهذا من التعدي في الدعاء كقول بعضهم في دعائه”ولا طائرة إلا أسقطتها ولا دبابة إلا دمرتها ولاسفينة إلا أغرقتها….إلخ “عجباً{قل أتعلمون الله} تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ومن الإعتداء في الدعاء ماجاء ذكره في سنن أبي داود أن أبناً لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يدعو،فسمعه سعد وهو يقول”اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال:يابني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول”سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم” وإنك إن دخلت الجنة نلت مافيها من الخير،وإن أعذت من النار نجوت مما فيها من الشر‘[حسنه الحافظ ابن حجر والألباني]فسمي التفصيل في الدعاء إعتداء ،وكأن المقصود عند بعضهم السجع واختيار الكلمات الرنانه وتحريك عواطف الناس وإثارة مشاعرهم والتشويش في المسجد ورفع الصوت بالدعاء وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت بالدعاء فقال”اربعوا على أنفسكم فإنكم لاتدعون أصماً ولا غائباُ إنما تدعون سميعاً قريباً”وأيضاً رفع الصوت بالبكاء وليس هذا من هديه صلى الله عليه وسلم فقال ابن القيم رحمه الله عن هديه صلى الله عليه وسلم في البكاء”وإما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان عن جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت”ولم يشعر ابن مسعود رضي الله عنه ببكاء النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ عليه طرفا ًمن سورة النساء إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان(بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام)والقصه في صحيح البخاري .فمدافعة البكاء إتباع للسنة ومدعاة للإخلاص.وقد قال تعالى:{أُدعو ربكم تضرعاً وخفية أنه لايحب المعتدين}

فعندما نرفع من آخر ركعه في صلاة الفريضه ندعو مباشرة على الظالمين المعتدين وندعو للمستضعفين من المسلمين كمافعل نبينا صلى الله عليه وسلم لا يفتتح بشي ولايختم بشيء ،هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وإنما يقول “اللهم عليك بالظالمين المعتدين وانجي المستضعفين من المسلمين ” ثم يسجد مباشره حتى يصيب السنة، فليس قنوت النوازل كقنوت رمضان ، ولايوجه القنوت لحزب ولاجماعة ولافئه، ويعتقد أنها هي الحق فالمسلم ينتصر لأخيه المسلم المستضعف ويدعو له مادام أنه حقق التوحيد الخالص لله ونبذ الفرقه والخلاف وصار نهجه على هدي السلف الصالح رحمهم الله .

فإن أتباع هذه الأحزاب والجماعات والفرق يزجون بالضعفاء والمساكين والنساء والأطفال في وجه العدو وهم يتمتعون بحماية أعداء الدين وفي كنف من حارب التوحيد وبلاده ،وهم لايحترمون عهد الله وميثاقه وخصوصا ًإذ ا كان عند بيت الله الحرام، فالذي يهمه دم المسلم وماله وعرضه يحافظ عليه، ولايقدم مصالحه الشخصيه على مصلحة المسلمين العامه ودماءهم وأموالهم فما دام أنه غير قادر على مواجهة العدو فلماذا يستفزهم ويسلطهم على ضعفاء المسلمين ويعين على قتل المسلم وإزهاق نفسه وإراقة دمه وإتلاف ماله وقد جاء عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: “ماأطيبك وأطيب ريحك ماأعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به خيراً” وإنه سيبؤ بإثمه وإثم المساكين الذين لاحول لهم ولاقوه والله نسأل أن يحفظ الإسلام والمسلمين في كل مكان وأن يشد وطأته على الظالمين المعتدين وأن يحفظ لنا ديننا وبلادنا وولاة أمرنا وعلماؤنا وأن يجمع القلوب على الكتاب والسنه إنه سميع مجيب.


شارك المحتوى: