القواعد الأربع

حمد بن عبدالعزيز العتيق

إن الحمد لله نحمده ونستعين ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثير ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.

أما بعد:إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة

في النار أما بعد أيها الناس:

اعلموا أرشدني الله وإياكم أن الحنيفية ملة إبراهيم أن نعبد الله مخلصين له الدين ولذلك خلق الثقلين الجن والإنس فقال:) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ( (الذريات:56) )مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ((الذريات:57) وهذه العبادة التي خلقنا الله لها لا تسمى عبادةً إلا مع التوحيد فإذا دخل الشرك في العبادة أفسدها وصار صاحبه من الخالدين في النار وكان من جزائه أن الله لا يغفر له كما قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ((النساء: من الآية48) وكثير من الناس اليوم يعلمون أن الشرك حرام، وأن الشرك مخرج عن الملة، وأن الشرك يحبط جميع الأعمال لكنهم لا يعرفون حقيقة الشرك لا يعرفون الشرك الذي أرسل رسول اللهrلمحاربته، لا يعرفون الشرك الذي كان عليه المسلمون في زمان النبيr ولا يتم ذلك لا يتم العلم بحقيقة الشرك إلا بمعرفة أربعة قواعد ذكرها الله في كتابه:

القاعدة الأولى:أن الإيمان بربوبية الله، أن الإيمان بأفعال الله وأن الله هو الخالق، وأن الله هو الرازق،وأن الله هو الذي يحي ويميت، وأن الله هو الذي يدبر الأمر أن الإيمان بذلك لا يكفي للدخول في الإسلام ولا يمنع صاحبه من أن يوصف بالشرك فإن المشركين في زمان رسول اللهr كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق وأن الله هو المالك وأن الله هو المدبر ومع ذلك لم ينفعهم إيمانهم بذلك بل حكم الله عليهم ورسولهr بالشرك والكفر قال تعالى يأمر رسوله محمدr أن يسأل المشركين في زمانه )قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ((31)

من الرازق ) أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ( من المالك )وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ( من المحيي والمميت ) ومن يدبر الأمر( من المدبر فما جواب المشركين:)فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ((يونس: من الآية31) هذا جواب أبي جهل وأبي لهب وأُبي ابن خلف أن الله هو الرازق والمالك والمحي والمميت والمدبر وهل إيمانهم بذلك أدخلهم في الإسلام كلا يا عباد الله.

القاعدة الثانية:أن الاعتذار حين الوقوع في الشرك في عبادة الله بعذرين اثنين أو أحدهما وهما طلب القربى من الله، أو طلب شفاعة الصالحين أن هذين العذرين لا ينفعان صاحبهما عند الله ولا يمنعانه من أن يوصف بالشرك بالله فإن المشركين في زمان رسول اللهr كانوا يعرفون الله، وكانوا يؤمنون بالله، وكانوا يعبدون الله، وكانوا يحبون الله

أيعقل ذلك؟! نعم. في صحيح البخاري من حديث ابن عباس كانت تلبية المشركين حين حجهم إلى بيت الله أن يقولوا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً لك تملكه وما ملك، كانوا يحجون إلى بيت الله يعبدون الله لكن المشكلة عندهم أنهم كانوا يعبدون مع الله غيره لماذا؟ كانوا يعتذرون بعذرين أو أحدِهما:

الأول كانوا يقولون: إن عبادتهم لصالحين لللاة والعزى لهبل أن عبادة هذه الأصنام والأوثان مما يقربهم إلى الله قال سبحانه: ) ) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ( لماذا يعبدونهم؟ قالوا: ) مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى((الزمر: من الآية3) يظنون أن عبادة الأوثان والأصنام والصالحين تقربهم إلى الله تعالى

وأما حجتهم الثانية: فيظنون أن هؤلاء الصالحين الذين يعبدونهم من دون الله سيشفعون لهم عند الله تعالى قال سبحانه:) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ((يونس: من الآية18) يظنون أن الأصنام والأوثان التي هي صور الصالحين والتي تعبر عن أولياء الله عندهم أنهم سيشفعون لهم عند الله تعالى فهل نفعهم هذان العذران عند الله تعالى؟ كلا.

القاعدة الثالثة: أن من صرف العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك الكبر ولا فرق في ذلك بين من صرفها للأولياء والصالحين كالملائكة وعيسى ومريم ورسول الله r وغيرهم من الأولياء والصالحين لا فرق لبين من صرفها لهؤلاء وبين من صرفها للأحجار والأشجار أوللجن والشياطين أوللأصنام والأوثان فكل من صرف العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، فإن المشركين في زمان رسول الله r كانوا يعبدون أنواعاً شتى من المعبودات منهم من يعبد الأولياء والصالحين تقولون أكانوا يعبدون الأولياء والصالحين؟ أقول نعم ففي كلام الله تعالى قال سبحانه يخاطب عيسى عليه الصلاة والسلام ) أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ((المائدة: من الآية116) وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس قال: في تفسير قول الله تعالى ) لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً((نوح: من الآية23) هذه أسماء الأصنام في زمان النبي r فلأي شيءٍ تشير هذه الأسماء والأصنام قال ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن قال: هذه أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح لما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم -لما مات الصالحون وهم أولياء جاء الشيطان فقال: صوروا صورهم ومثلوا تماثيلهم لماذا؟ لم يأمرهم الشيطان أول الأمر بعبادة هذه الصور والأصنام إنما زين لهم أن يصوروا صور الصالحين ويمثلوا تماثيلهم حتى إذا رأوا صورهم تذكروا عبادة الله وتذكروا عبادة الصالحين لله فازدادوا في عبادة الله تعالى هذه هي الخطوة الأولى- قال ابن عباس: فلما هلكوا أي : هلك الجيل الأول وتنسخ العلم وقل العلم بين الناس عُبدت هذه الصور والأصنام من دون الله تعالى ومن أراد مزيداً من الأدلة على أن الصالحين كانوا يعبدون من دون الله في زمان النبي rفليسأل نفسه ما معنى شفاعة الأصنام والأوثان لمن يعبدهم كانوا يعتقدون ولا يزالون أن الأصنام والأوثان ستشفع لهم عند الله، فمن الذي يشفع عند الله إنه الرجل الصالح فمن المشركين من كان يعبد الصالحين ومنهم من كان يعبد الشمس والقمر )لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ((فصلت: من الآية37)ومنهم من كان يعبد الجن والشياطين والعياذ بالله. فهل فرق الله بين هؤلاء وأولئك؟ كلا.

بل كفرهم رسول الله r وقاتلهم جميعاً لما وقعوا في الشرك في عبادة الله .

عباد الله إن كثيراً من الناس يظن أن الشرك أن يذبح للأصنام، و الأحجار، والأشجار، والشمس، والقمر يظن أن الشرك فقط أن يستغيث بالشمس والكواكب يظن أن الشرك فقط أن ينذر للجن، والشياطين كلا.

كل عبادة لله الدعاء، والاستغاثة، الذبح، النذر إذا فُعلت لغير الله ولو فُعل للأنبياء والصالحين لو فعل للملائكة المقربين فقد وقع من ذلك في الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملاً وتقاً وصلاحاً ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيرا أما بعد أيها الإخوة في الله:

القاعدة الرابعة:

التي تُعرف بها حقيقة الشرك الذي نهانا الله عنه ورسوله r أن المشركين في زمان رسول الله r كانوا يشركون في عبادة الله في الرخاء فإذا جاءت الشدة وحدوا الله سبحانه وتعالى كانوا يستغيثون بالأصنام والأوثان في حال الرخاء في حال النعمة أما إذا جاءت المصيبة وجاءت الشدة توجهوا لله وحده لا شريك له قال سبحانه: )فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ ( فإذا ركبوا في السفينة وجاءتهم العواصف والقواصف وخافوا الغرق توجهوا لله سبحانه وتعالى )فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ( رفعوا أيديهم إلى الله تعالى،

الكلام عن من يا عباد الله؟ إنه عن أبي جهل وأبي لهب الكلام عن صناديد المشركين )فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ( (العنكبوت:65) فلما رجعوا إلى البر وزالت المصيبة والشدة توجهوا إلى غير الله تعالى.

في بعض الآثار جاء رجلٌ للنبي r فقال له رسول الله r: كم إلهاً تعبد؟ قال: أعبد سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء ستة في الأرض من المخلوقين وواحدٌ في السماء هو الله Y I قال له رسول الله r: فمن لرغبك ورهبك إذا جاءت الشدة تتوجه لأي واحدٍ من هؤلاء السبعة؟ فقال الرجل: للذي في السماء إذا جاءت الشدة والمصيبة توجه إلى الله وحده فقال له رسول الله r: إياه فاعبد يعني أعبده وحده لا شريك له.

وأما اليوم يا عباد الله فإن كثيراً من المنتسبين للإسلام والمسلمين يشركون مع الله في الرخاء والشدة حدثنا بعض أهل العلم أنهم كانوا في الطائرة فحصل فيها خللٌ أرعب الناس وأخافهم تصوروا يا عباد الله أن أبا جهلٍ أو أبا لهب كانوا في الطائرة وخافوا من سقوط الطائرة لمن سيتوجه أبو جهلٍ وأبو لهب لقد أخبر الله عنهم أنهم سيتوجهون لله وحده أنهم سيستغيثون بالله وحده أتدرون ماذا قال الشيخ؟ قال لما خاف الناس من سقوط الطائرة إذا بهم يستغيثون بغير الله فمنهم من يستغيث ويقول: ياعبدالقادر والثاني يقول: يا بدوي والثالث يقول: يا فاطمة والرابع يقول: يا علي يا حسن يا حسين يا زينب وهكذا يستغيثون بغير الله حتى في الشدة نسأل الله السلامة والعافية إنا إخواننا الذين يشتغلون في بعض المناطق في المستشفيات يقولون: تأتي بعض النساء في حالة الولادة في أشد الظروف عند المرأة التي ينبغي أن تتعلق فيها بالله I يأتي بعض المنتسبين إلى الرافضة والشيعة من النساء في حال الولادة فبمن تصيح المرأة حينها إنها تستغيث فتقول يا علي يا حسن يا حسين يا فاطمة حتى في أحلك الظروف نسأل الله السلامة والعافية.

عباد الله إنا من عرف هذه القواعد الأربعة عرف حقيقة التوحيد الذي خلقنا الله له وعرف حقيقة الشرك الذي نهانا الله ورسوله عنه

فإن كثيرا من المنتسبين للإسلام اليوم يقولون إن الله هو الخالق وإن الله هو الرازق ويعبدون الله ويحبون الله لكن مصيبتهم أنهم يصرفون العبادة لغير الله يصرفونها للأولياء والصالحين فيذبحون لهم وينذرون لهم ويستغيثون بهم ويدعونهم من دون الله وهم لا يعلمون أن هذا هو الشرك الذي كان في زمان رسول الله r.

اللهم أحينا على التوحيد وأمتنا على التوحيد واحشرنا في زمرة إمام الموحدين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسنا أولئك رفيقا اللهم رد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى توحيدك وإلى سنة رسولك وإلى طاعتك وطاعة رسولك محمداًr ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم توب علينا توبةً نصوحة ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام …


شارك المحتوى: