الصلاة هي التوحيد

أحمد بن ناصر آل عبدالله

الحمد لله الذي جعل المحافظة على الصلاة من صفات الموحدين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وجعل التكاسل عنها من صفات المنافقين ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصف تاركي الصلاة بالمشركين ، ووصى بالمحافظة عليها حتى أتاه اليقين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله فإن التقوى هي سبب الفلاح والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا). وعذاب الله لا يتقى بالمناصب والأموال ولا بالأحساب والأنساب، ولا بالقوة في الأجساد ، وإنما يتقى عذابه ويطلب فضله وثوابه بفعله أوامره واجتناب نواهيه ، واعظم أوامره التوحيد أوجب الواجبات ، وأساس القبول للأعمال .

وقرين التوحيد، هو الصلاة ، فلم يفرض على نبينا من الشرائع في مكة إلا التوحيد والصلاة، وباقي أركان الدِّين فُرضت في المدينة، ولا يُخرج من الإسلام إلا ترك ما فرض بمكة وهو التوحيد والصلاة ، والتوحيد أول ما يسأل العبد عنه في قبره ، والصلاة أول ما يحاسب عليه بعد بعثه .

فالصلاة عباد الله، ليست كغيرها من الأعمال، إن الصلاة هي فعل التوحيد، هي العمل الذي إذا أحسنه العبد وأتقنه وواظب عليه زاد توحيده وزاد إيمانه وصح إسلامه ، هي العمل الذي يطبق به التوحيد، هي العمل الذي يتجلى به التوحيد مرارا تكرارا؟

بل الصلاة هي التوحيد، التوحيد كلمة وفعل، كلمة

باللسان وفعل للصلاة، ولذلك روى مسلم من حديث جابر قال صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الشّرك والكفر ترك الصلاة) فهذان الأمران -كلمة التوحيد وفعل التوحيد وهو الصلاة- هما المدخلان للعبد في الإسلام بمجرد الفعل، والمخرجان من الإسلام بمجرد الترك، كل واحد منهما بمفرده.

عباد الله : لنكن مع التوحيد وبالتوحيد فوالله وبالله وتالله لن ينصر قوم بدون التوحيد ، ووالله وبالله وتالله لن يحرر بيت الموَحَد جل جلاله في البلاد المباركة من أرض الشام ، وفي كل بلاد الدنيا إلا الموحدون ، وإن صاحوا وصرخوا وتظاهروا ، ما دامت أوثان الشرك وضرائح المزارات فيما بينهم تملأ الأرض .

سمى الله الصلاة إيمانا وتوحيدا، قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ؛ يعني توحيدكم، وهو صلاتهم

لبيت المقدس.

هذا التوحيد العملي التساهل فيه خطير يقول تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه ” ليس معنى أضاعوها تركوها بالكلية ولكن أخروها عن أوقاتها “والغي كما قال ابن مسعود والبراء بن عازب واد في جهنم يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم وهو بعيد القعر خبيث الطعم. المتساهلون بالصلاة نسوا وعيد الله بالويل لهم ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ والويل قال عنه عطاء بن يسار ” الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت من حره “

قال ابن مسعود رضي الله عنه ” وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كان الرَّجُلُ يؤتى بِهِ – مريضا – يُهَادَى بين الرَّجُلَيْنِ حتى يُقَامَ في الصَّفِّ ” وفي لفظ قال ” لقد رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عن الصَّلَاةِ إلا مُنَافِقٌ قد عُلِمَ نِفَاقُهُ أو مَرِيضٌ إن كان الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بين رَجُلَيْنِ حتى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ ” رواه مسلم .

كيف بهذا المتكاسل عن الصلاة يوم القيامة ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قال ابن المسيب ” كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون وهم أصحاء سالمون “

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الصَّلاةَ يَوْمًا فَقَالَ “… وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُرْهَانٌ وَلا نُورٌ وَلا نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَهَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ” رواه احمد وابن حبان وصححه الألباني .

شاهد التوحيد في الصلاة من تحريمها الى تسليمها ، رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام إشارة إلى رفع الحجاب بينك وبين الرب عز وجل، وسئل الإمام أحمد عن الحكمة من وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، فقال: ذل بين يدي عزيز ، ذل العبودية للمعبود وهذا هو التوحيد.

وكذلك الإشارة في الأصبع في الصلاة هي إشارة إلى

التوحيد، وأن الله في السّماء في علوه .

أما أركان الصلاة الظاهرة فكلها توحيد ، وهـذا لا يكون إلا في الصلاة، القيام قيام عبادة لا يصلح إلا لله عز وجل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما خرجه ابو داود وصححه الألباني:(من أحب أن يتمثّل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار) القيام عبادة لله عز وجل ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾ ، ولا تقوموا لأحد قيام تعظيم واحترام إلا لله عزّ وجل، وأما قيام السلام ونحو ذلك فلا بأس به، ففرق بين القيام له تعظيما والقيام إليه سلاما .

وفي القيام قراءة القرآن الذي هو توحيد وترسيخ للتوحيد

وأعظمه قراءة الفاتحة وكلها توحيد .

ثم الركوع نوع من السجود، ولذلك قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾، وإنما أمروا بالانحناء والتّعظيم، فالركوع نوع من السجود ، فإذا أردت الركوع فلا تركع إلا وتستحضر بقلبك أن هـذا الركوع لا تفعله لأي مخلوق على وجه الأرض ، بل للخالق جل وعلا وحده ، أليس هـذا يؤكد التوحيد ويزيده لو كنت تستشعر هـذه المعاني؟ وإذا قمت بين يدي الله قيام العبادة والذل ، قد مسكت يديك إحداهما بالأخرى ورميت ببصرك إلى موضع سجودك وطأطأت رأسك تستشعر أن هـذه الحركة لا يستحقها أي بشر من البشر، ولا يستحقها أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن من دونهم ؛ إنما هي حركة خاصة من العبد لربه عزّ وجل، فيا له من توحيد يزداد ويرسخ بالصلاة .

وأما ما في جوف الركوع من الذكر فإنه توحيد هو تعظيم الله عز وجل، قال الرسول –عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-:(أما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل) وإذا عظمت ربك وعَظُم في نفسك تيقنت أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له، فأنت تركع وتزداد شرفا، تزداد توحيدا، وتزداد انطراحا بين يدي ربك وتوكلا عليه، تركع وتحمد ربك إذ غيرك لا يركع، قال الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )

ومما تقول في ركوعك: اللهم لك ركعت، لك وحدك، لا أركع لأحد غيرك…الخ الذكر .

يركع ظهرك ليركع قلبك؛ لكي تستحضر أوامر الله فلا تقدم عليها شيئا، لكي تستسلم لها، وهل المسلم إلا المستسلم؟! فمن ركع ظهره، ثم إذا جاءه الدليل لبيان الحق جادل ليرد الحق عنادا، فما انتفع بصلاته .

ثم بعد ذلك تخر إلى الركن الأعظم في الصلاة ركن التوحيد، السجود لله عز وجل، فتسجد لربك، تضع أشرف أعضائك على الأرض وتعفّر وجهك بالتراب ولا ترض أن تقدم هـذه العبادة لأي أحد في السماء ولا في الأرض إلا لله رب العالمين .

والصلاة عباد الله هي التي تحيي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء، وأمور الدين العظام، ولهذا فهم ذلك المشركون فـ ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء ﴾

فمن حافظ عليها في وقتها جماعة ، مطمئنا غير عجل، مستشعر معاني تعظيم الرب وتوحيده، وعلى الخشوع وعلى التبكير، كانت لك وقاية لك من الفحشاء والمنكر ، وترك الذنب أيسر من طلب التوبة.

أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد :لتقف على حالك عبد الله وتحاسب نفسك ، اسمع ما قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، قال: إذا أردت أن تعرف قدر الإسلام من قلبك فانظر إلى قدر الصلاة من قلبك ، لأن كل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به وإنما حظهم من الاسلام على قدر حظهم من الصلاة ؛ لأنها هي تطبيق التوحيد، فإن كنت محبا لها، معظما لها، مداوما عليها، ومبكرا إليها، مطمئنا فيها، خاشعا فيها، مستحضرا للتوحيد فيها، هي عندك أغلى من كل شيء، كما قال المشركون في غزوة الخندق عن المسلمين: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم . فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها ! فأنزل الله عز وجل على نبيه شريعة صلاة الخوف ) رواه أحمد وصححه ابن كثير.

فاعرف نفسك يا عبدالله واحذر أن تلقي الله ولا قدر للإسلام عندك .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :”فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء المكروب بالتوحيد ودعوة ذي النون (ﻻ إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد “. وعند ابي داوود وحسنه الألباني (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)

اللهم حقق لنا التوحيد، واجعلنا من أهل التوحيد، اللهم ارزقنا حب الصلاة، و اجعلها قرة أعيننا، وراحتنا .

عباد الله : صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا. اللهم وفق إمامنا وولي عهده بتوفيقك وأيدهم بتأييدك وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين.

اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر جنودنا وحماة حدودنا وأمننا اللهم كن لهم عونا ونصيرا ومؤيداً وظهيراً ،اللهم اشف ‎مرضاهم وارحم موتاهم وارفع درجاتهم في الشهداء في عليين. اللهم عليك بمن يكيد للإسلام وأهله عامة وبمن يكيد لهذه البلاد خاصة من اليهود والنصارى والروافض والخوارج وأعوانهم اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك إنك أنت القوي العزيز.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.


شارك المحتوى: