السَّجن بلا محاكمة بين السياسة الشرعية والقوانين الوضعية

عبد الحق التركماني

السَّجن بلا محاكمة بين السياسة الشرعية والقوانين الوضعية

الحمد لله ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعدُ: فقد عكفتُ ثلاثة أشهر على كتابة بحث في «السياسة الشرعية»، اطلعتُ خلالها على مئات الكتب والأبحاث، وقرأت آلاف الصفحات، ودققت النظر في عشرات المسائل؛ فلم أزدد إلا إيمانًا بكمال الشريعة الإلهية، وفضلها وصلاحها وإصلاحها لكلِّ زمان ومكان، وكلَّما ازددتُ علمًا بأحكامها التفصيلية؛ ازددتُ فهمًا لسماحتها ومرونتها ومراعاتها لمصالح العباد والبلاد، خلافًا للقوانين الوضعية التي لا تصلح ـ إن صلحتْ ولو نسبيًّا! ـ إلا لزمان معين ومكان معين ومجتمع معيَّن، وتعجز عن الاستجابة للحوادث المستجدَّة، ولسيرورة الحياة التي هي في تقلب وتغيُّر دائم، فيصح فيها تلك العبارة المشهورة: «القانون أعمى»، أو: «العدالة عمياء»، وإذا كان أهل القانون يستعملون هذه العبارة بمعنى: أن القانون ينفَّذُ على الجميع من غير تمييزٍ، ويعدُّون هذا ممدحة، حتَّى إنَّ العالم الغربيَّ قد استحضر من التراث الروماني الوثني تمثال: إلهة العدل Lady of Justice، ونصَبَه أمام كثير من المحاكم، وصورته: امرأة معصوبة العينين، تحمل بإحدى يديها ميزانًا وفي الأخرى سيفًا! فالأحقُّ والأحرى أن يُعدَّ هذا مذمَّةً، إذْ يفتقد القانون ـ بحرفيَّته القاتلة ـ للسماحة والمرونة والرحمة ومراعاة أحوال الناس ومصالح المجتمع، ولا يعدو أن يكون «الحاكِم» به أداةً للتنفيذ، من غير مساحة للاجتهاد وحريَّة في مراعاة المقاصد والمآلات.

إن ممَّا يُعلم من دين الإسلام بالضرورة: «أَنْ لا حاكم إلا الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه لا يسوغُ لأحدٍ الخروج عن حكمه وشريعته»، ورغم هذا فإنَّ في «السياسة الشرعية» من مجالات الاجتهاد والاستصلاح ما هو كفيل بالاستجابة للنوازل والمستجدات، والحكم بما يحفظ المصالح العامة والخاصة، ويراعي المآلات والنتائج، ويحقق المقاصد التي جاءت الأحكام العملية العادِيَّة من الشريعة لجلبها وتحقيقها، ورأس ذلك: حفظ الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. ولا سبيل إلى حفظ هذه الضروريات إلا باستتباب الأمن، واستقرار المجتمع، وأمن الناس فيه على دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وتحقيق هذا كله في «السياسية الشرعية» التي تجمع بين تحكيم النصوص الشرعية، ومراعاة مقاصدها وغايتها، ورعاية مصالح الناس، واستعياب التغيرات والنوازل، وفي هذا يقول العلامة الفقيه أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي (ت: 513) رحمه الله:

«السياسة ما كان من الأفعال بحيثُ يكون الناسُ معه أقربَ إلى الصلاح، وأبعدَ عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحيٌ. فإن أردت بقولك: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع» أي: لم يخالف ما نطق به الشرعُ؛ فصحيحٌ، وإنْ أردتَ: «لا سياسة إلا ما نطق به الشرعُ» فغلطٌ، وتغليطٌ للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحدُه عالم بالسِّيَر، ولو لم يكن إلا تحريقُ عثمان المصاحفَ فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق عليٍّ رضي الله عنه الزنادقة في الأخاديد، ونفيُ عمر لنصر بن حجاج». نقله ابن القيم في «أعلام الموقعين» دار ابن الجوزي، الدمام: 1423، 6/512، وفي «الطرق الحكمية» طبعة حامد الفقي، ص: 13.

ويقول العلامة ابن نُجيم الحنفي (ت: 970) في «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» دار الكتاب الإسلامي، 5/11: «السِّياسة هي فعل شيءٍ من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليلٌ جزئيٌّ».

استحضرتُ هذه المعاني وأنا أقرأ اليومَ 8/3/2013م خبَرَ إعادةِ الشرطة البريطانية اعتقالَ «أبي قتادة الفلسطيني»، وهو واحد من الذين كانت الدول الغربية تصرُّ على استضافتهم وحمايتهم بدعوى (حقوق الإنسان)، لكنَّها (ابتليتْ) و(تورَّطت) بهم بعد حادثة الحادي عشر من سبتمر (2001) وتفجيرات مدريد (2004) ولندن (2005)، وعجزت عن ضبطهم وإسكاتهم، فعمدت إلى تغيير بعض قوانينها، وشرعت قوانين خاصة بمكافحة الإرهاب، ورغم ذلك: عجزت قوانينُها وأنظمتها عن معالجة مشكلة التعامل مع أشخاص يمثلون تهديدًا لأمن المجتمع، رغم أنَّهم (أبرياءُ) حسب حرفيَّة القوانين الوضعية؛ فاضطرَّت إلى إيداع بعضهم في السجن لسنوات طويلة، أو إخضاعهم للإقامة الجبرية، وتجريدهم من (حقوقهم الإنسانية)، فمُنِعوا من التواصل مع الآخرين عبر وسائل الاتصال الحديثة! وأكثر هذه الاجراءات كانت تعدُّ في العالم الغربي ـ قبل حادثة سبتمبر ـ من الانتهاك لحقوق الإنسان، وكانت كافية لتغيير وزراء ومحاكمة مسؤولين أو حتَّى إسقاط حكومات!

إن حديثنا هذا عن الدول الأوروبية، أما الولايات المتحدة الأمريكية ـ التي تعدُّ نفسها حامية الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وبهذه الحجَّة تتدخل في شؤون الدول والمجتمعات المسلمة محارَبةً لدينها، ومسخًا لهويتها، وتدميرًا لكيانها ـ؛ فقد ناقضت نفسها، ونقضت ما تدَّعيه من القيم الأمريكية (المثالية) ـ التي يجب أن تفرض على شعوب العالم ولو بالقوَّة! ـ فقامت منذ سنة (2002) باستخدام قاعدتها العسكرية في خليج (غوانتانامو) معتقلًا لمن في يدها من المتَّهمين بالإرهاب، وأرادت بذلك أن يُعامَل أولئك الأسرى خارج الحدود الأمريكية لكي لا تنطبق عليهم قوانينها، فسجن غوانتانامو ذو سلطة مطلقة، لا ينطبق عليه أيٌّ من قوانين حقوق الإنسان، وقد تواترت الأخبار بما جرى في ذلك المعتقل من المعاملة السيئة، وانعدام الأخلاق، والقساوة الشديدة، وانتهاك حتى القدر الضروري من الحقوق والكرامة الآدميَّة. واستخدم باراك أوباما وعوده بإغلاق المعتقل ضمن دعايته الانتخابية الأولى، ثم لم يفعل شيئًا حتى يوم الناس هذا.

وعلى الصعيد الداخلي؛ استحدثت الولايات المتحدة قانون توحيد وتعزيز أمريكا ضدَّ الإرهاب المعروف باسم: «باترويت أكت» Patriot Act، وقد تم تمريره في مجلس الشيوخ ومجلس النواب بأكثرية الأصوات، ووقَّع عليه جورج بوش يوم 26/10/2001م؛ ليصبح قانونًا معتمدًا. وقد تضمن هذا القانون بنودًا كثيرة تتعارض مع مبادئ الحريات والحقوق في الغرب، منها: ما جاء في الجزء (412) منه، من أنَّه يُسمح باعتقال المقيم الأجنبي في الولايات المتحدة، ومنهم حملة البطاقة الخضراء، لأجلٍ غير مسمًّى دون اتهامه بأية جريمة. وهنا يجب على وزارة العدل أن توجه تهمة جنائية أو تتعلق بمخالفة قوانين الإقامة خلال سبعة أيام من تاريخ الاعتقال. أما إذا قالت ـ مجرَّد قولٍ! ـ أنه يشكل خطرًا على الأمن القومي للولايات المتحدة، فإن اعتقاله يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمًّى، على أن يعاد النظر بملفه مرة كل ستة أشهر. ولا يشترط القانون الجديد أن يحاكم المعتقل خلال هذه المدة أو في نهايتها، أو أيًّا من الشروط القضائية الأخرى المعمول بها عادة في مجال الأدلة والبراهين والإثباتات، ويمكن أن يستمر الاعتقال إلى ما لا نهاية على أساس اتهامات غامضة وغير محددة حول الخطر على الأمن القومي. الضابط الوحيد هنا هو حق تقديم التماس للمحكمة العليا أو محاكم استئناف محددة ذات صلاحية. (راجع: «قوانين مكافحة الإرهاب الأمريكية : إجراءات مؤقتة أم انقلاب على الدستور؟» دراسة للدكتور إبراهيم علُّوش نُشرت في «مجلة الآداب» التي تصدر في بيروت العدد (11-12) تشرين الثاني: 2001م).

وذكرت صحيفة (واشنطن بوست) في عددها الصادر يوم السبت: 13/11/2010م؛ بأنَّ خالد شيخ محمد ـ الذي يوصف بالعقل المدبِّر لهجمات 11 سبتمبر ـ سيبقى على الأرجح في السجن من دون محاكمة في الوقت الراهن. وهو لا يزال رهن الاعتقال في (غوانتانامو)!

تلك نماذج من القوانين والإجراءات والممارسات التي اتخذها الغربُ عندما شعر أنه مهدَّدٌ في أمنه الداخلي، وقد أثار ذلك انتقادات منظمات حقوق الإنسان، وحشَرَ السياسيَّ والإعلاميَّ والمثقفَ الغربيَّ في زوايا التناقض والاضطراب والانفصام بين التصور والتصرف، وفضَحَ غلوَّ الفكر الغربي في تقديس (الفرد) وإراداته وشهواته حتَّى على حساب مصلحة المجتمع والدولة.

أمَّا «السياسة الشرعية» فلا مكان فيها لمثل هذا الإشكال والحيرة والتناقض، فللسلطة الحاكمة حقُّ التصرفُ ـ في كل زمان ومكان وحال ـ بما يحقِّق المصالح العليا للمجتمع ويدفع عنه الأخطار والمفاسد والأضرار، وإن لم تستند في تصرفها لنصٍّ قانونيٍّ محدَّدٍ، ما لم يكن معارضًا لحكم صريحٍ من أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء.

ومن هنا: فإنَّ أكثر فقهاء الإسلام قرَّروا مشروعية (السجن بلا محاكمة ومن غير تحديد مدَّة معيَّنة) في حقِّ من يعجز القضاء الشرعي عن إدانتهم بالأدلة البيِّنة، ولكنهم يشكِّلون خطرًا على الأمة والمجتمع لسبب من الأسباب. وباختصارٍ: فإنَّ فقهاء الإسلام وضعوا أُسُس (قانون الإرهاب) و(السجن الوقائيِّ أو الاحترازيِّ) يوم كانت أوروبا تعيش فيما يسمى بالقرون الوسطى المظلمة!

وإليكم نماذج من كلام أئمة الإسلام في هذه المسألة:

1- قال العلامة ابن أبي زيدٍ القيروانيُّ المالكي (ت: 386) رحمه الله في «النَّوادر والزيادات» دار الغرب الإسلامي، بيروت: 1419، 14/450: «قال ابن وهب عن الليث فيمن وُجد معه متاع مسروق، فقال: اشتريته؛ فإن كان متَّهمًا عُوقب. وكتب عمر بن عبد العزيز في مِثْلِه: أَنْ يُسجن إن اتُّهم حتَّى يموت فيه. قال مالك: يُحبس بقَدْر ما يرَى الإمامُ، ثم يُعاقب ويسرَّح، ولا يُسجن حتى يموت». فهذا حكمُ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (ت: 101) رحمه الله، وهو اختيار إمام دار الهجرة مالك بن أنس (ت: 179) رحمه الله، لكنَّه خالفه في تأبيد سجنه، لا في تمديده بحسب ما يراه الإمام. واختار قولَ عمر: الإمام اللَّيثُ بن سعدٍ (ت: 175) رحمه الله، كما ذكره أبو الوليد الباجيُّ في «المنتقى شرح الموطَّإِ» مطبعة السعادة بمصر: 1332، 7/166، وقال الباجيُّ: «وقال مطرِّفٌ وابنُ الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغُ ـ فيمن سُرق له متاع فاتهم رجلًا معروفًا بذلك: فله حبسه. وجه القول الأول: أنَّ السجن تعزيرٌ، فيجب أن يكون مصروفًا إلى اجتهاد الإمام، ووجه القول الثاني: أنَّ السجنَ إنما هو لقبض أذاه عن الناس إذا كان معروفًا بذلك، لتكرُّره منه، مع إصراره على الإنكار، وإتلاف أموال الناس؛ فيجب أن يُقبض عنهم بالسَّجن، وليس بعضُ الأوقات بأولى بذلك من بعضٍ مع تساوي حاله فيها». ونقله ابنُ فَرحون المالكي (ت: 799هـ) رحمه الله في كتابه: «تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام» دار الكتب العلمية، بيروت: 1416، 2/129 ـ وزادَ: «وفي «الواضحة»: قال مُطرِّف: من شُهد عليه بأنه موصوف بالسرقة فإنه يحبس بالسجن حتى يموت، وأما الذي لا يُعرف حاله فلا يسجن حتى يُسأل عنه، وإن سجن فلا يُطال سجنه».

2- وبيَّن ابن فرحون ـ في موضع آخر: 2/240 ـ أنَّ المذهب عند المالكية عدم تحديد مدَّة الحبس، بل هو راجع لاجتهاد الحاكم، بقدر ما يرى أنَّه ينزجرُ به.

قلتُ: وعدم تحديد الحدِّ الأقصى لمدَّة الحبس هو رأيُ عامَّة الفقهاء، وقد ذكر الزيلعيُّ الحنفيُّ في «تبيين الحقائق» المطبعة الأميرية: 1313، 4/181؛ أنَّ الحبس ليس له مدَّة مقدَّرةٌ، وأطلقَ الحنابلةُ في تقدير المدَّة؛ كما في «الموسوعة الفقهية الكويتية» 12/269، وهو الذي يدلُّ عليه كلام الشافعية ـ كما سيأتي في النقل عن الماورديِّ ـ، لكن منع الإمام الشافعيُّ رحمه الله التعزيرَ بالنَّفي والتَّغريب بما يبلغُ مدَّة سنةٍ، كي لا يساويَ حدَّ التَّغريب في الزَّنا، كما نصَّ عليه الرشيديُّ (ت: 1096) في حاشيته على: «نهاية المحتاج» دار الفكر، بيروت: 1404، 8/21، لهذا قال العلامة النوويُّ (ت: 676) رحمه الله في «منهاج الطالبين» دار المنهاج، جدة: 1426، ص: 514: «يعزَّرُ في كلِّ معصيةٍ لا حدَّ لها، ولا كفارةَ: بحبسٍ، أو ضربٍ، أو صفعٍ, أو توبيخٍ، ويجتهدُ الإمامُ في جِنسِه وقَدره». وقد وهِمَ الشربينيُّ (ت: 977) رحمه الله في «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» دار الكتب العلمية، بيروت: 1415، 5/524؛ فتعقَّبه بأنَّ شرطه سَنَةٌ، وغفل أنَّ هذا الشرطَ في التغريب لا الحبس.

3- وقال الإمام أبو الحسن الماوردي الشافعيُّ (ت: 450) رحمه الله في كتابه: «الأحكام السلطانية» دار الحديث، القاهرة: 1427، ص: 323: «يجوز للأمير فيمن تكرَّرتْ منه الجرائمُ، ولم ينزجِر عنها بالحدود؛ أن يستديم حبسه، إذا استضرَّ الناسُ بجرائمه حتى يموت، بعد أن يقوم بقُوته وكسوته من بيت المال، ليدفع ضرره عن الناس، وإن لم يكن ذلك للقضاة». ونقله بحروفه: أبو يعلى الفرَّاء الحنبلي (ت: 458) في «الأحكام السلطانية» دار الكتب العلمية، بيروت: 1421، ص: 259.

4- وقال العلامة ابن القيم الحنبليُّ (ت: 751) رحمه الله في «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» ص: 103-104: «أن يكون المتَّهَم معروفًا بالفجور، كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى. قال شيخُنا ابن تيمية رحمه الله: وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين يقول: إنَّ المدَّعى عليه في جميع هذه الدَّعاوى يَحْلِفُ ويُرسَل بلا حبسٍ ولا غيره؛ فليس هذا ـ على إطلاقه ـ مذهبًا لأحدٍ من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم أن هذا ـ على إطلاقه وعمومه ـ هو الشَّرع: فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا لنصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولإجماع الأمة. وبمثل هذا الغَلَط الفاحش تجرَّأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهَّموا أنَّ الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدَّوا حدود الله،…».

5- ومن الصور التي أفتى بعض الأئمة بالسجن المؤبَّد فيها: سجنُ من أمسكَ شخصًا حتَّى قتله آخر. قال الإمام ابن قدامة (ت: 620) رحمه الله في «المغني» عالم الكتب، الرياض: 1417، 11/596: «إن أمسكه له ليقتله؛ مثل إِنْ ضبطه له حتى ذبحه له؛ فاختلفت الرواية فيه عن أحمد: فروي عنه أنه يحبس حتى يموت. وهذا قول عطاءٍ وربيعة. ورُوي ذلك عن عليٍّ. ورُوي عن أحمد: أنه يُقتل أيضًا». واختاره الإمام أبو محمد ابن حزم الظاهري (ت: 456) رحمه الله؛ فقال في: «المحلَّى بالآثار» الطبعة المنيرية 10/428 (2029): «مَنْ أمسك آخر للقَتْل فقُتِل؛ يُسجن حتى يموت، لأنَّ الحكم في هذا قول الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]؛ فكلُّ من فعل فعلًا يوصف به ـ وكان به متعديًا ـ فإنه يجب أن يتعدَّى عليه بمثله بأمر الله تعالى، فالممسك آخَرَ حتى قُتل: مُمسكٌ له، وحابس حتى مات، وليس قاتلًا، فالواجب أن يُحبس حتَّى يموت، فهو مثل ما اعتدى به، ولا نبالي بطول المدَّة مِنْ قصرها إذ لم يأتِ بمراعاة ذلك نصٌّ ولا إجماع».

قال عبد الحق التركماني عفا الله عنه: من الصور المعاصرة لهذه المسألة التحريضُ على القتل ـ قتل الأفراد أو الجماعات ـ، وتسويغ ذلك بالفتاوى الإجرامية، والأفكار المنحرفة، واستغلال وسائل الإعلام وشبكات التواصل المعاصرة للتأثير في الشباب الأغرار، والبسطاء والسذَّج؛ باسم الجهاد والغيرة على الدين.

6- إنَّ السجن بلا محاكمة لم يقتصر على أصحاب الجنايات في الأنفس والأموال، بل شملتْ أهل البدع والأهواء، وهم الذين يُعرفون اليوم بأصحاب الانحرافات الفكرية، فنجد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يحكم عليهم أيضًا بالسجن المؤبَّد من غير محاكمة، ما داموا يمثِّلُون خطرًا على عقيدة الأمة وأمن المجتمع:

أخرج ابن سعدٍ في «الطبقات الكبرى» دار صادر، بيروت: 1968، 5/358 عن المنذر بن عُبيد، قال: حضرتُ كتابَ عُمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيدٍ: ومَنْ أخذتَ من أُسَراء الخوارج فاحبسه حتى يُحدِث خيرًا. قال: فلقد ماتَ عمرُ بن عبد العزيز وفي حبسه منهم عدَّةٌ.

وقال أبو الحسين المَلَطيُّ (ت: 377) في كتابه: «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع» المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، بيروت: 1430، ص: 140: «وقال مزاحم بن زُفر [الكوفي، ثقةٌ، من أتباع التابعين]: كنَّا بسمرقند وعليها محمد بن المهلَّب فخرج علينا يوم الجمعة رجلٌ حروريٌّ [يعني من الخوارج] فضرب رجلًا من بني عجل بالسيف، فأُخذ، فدعا محمد بن المهلب الضحَّاكَ بن مزاحم [التابعيُّ الفقيهُ] فسأله، فقال: أرى أن تحبسه حتى ننظُر ما يصنع المضروبُ، ثم نقصَّه منه. فحبسه، وكتب إلى يزيد بن المهلب، فكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك، فوافق الكتابُ موتَ سليمان بن عبد الملك واستخلاف عمر بن عبد العزيز، فعُرض عليه الكتابُ، فكتب: أمَّا بعدُ: فأَنْظِر الحروريَّ فإنِ المضروبُ مات من ضربته فدعه لأوليائه يقتلونه، وإن كان بَرَأَ فقصَّه منه، ثم احبسه محبسًا قريبًا من أهله حتَّى يموت من هواه الخبيث الذي خرج عليه».

وأخرج عبد الله ابن الإمام أحمد في «السنة» دار ابن القيم، الدمام: 1406، رقم (11) عن عبد الله بن نافع، قال: كان مالك بن أنس رحمه الله يقول: «من قال: القرآن مخلوقٌ؛ يوجع ضربًا، ويُحبس حتى يموت».

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «وخير هذه الأمة بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعليٌّ بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديُّون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيبٍ، ولا بنقص، فمن فعل ذلك؛ فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفوَ عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قَبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة، وخَلَّدَه الحبسَ حتى يموت، أو يُراجِع». نقله ابن أبي يعلى (ت: 526) في «طبقات الحنابلة» تحقيق العثيمين، الرياض: 1419، 1/64، وابن تيمية في «الصارم المسلول» دار رمادي، بيروت: 1417، 1/570.

7- والسَّجنُ بلا محاكمة يُقصد به الخير للمسجون نفسه ولمجتمعه، أما المسجون فيُعلَّمُ ويؤدَّب لعلَّه يتوب ويستقيم، وأما خير المجتمع ففي حمايته من شرِّه وعدوانه. وإذا كانت الأنظمة المعاصرة قد اهتدت إلى (السجن الاصلاحي) و(التأهيل)؛ فإننا نجد أصل ذلك في تراثنا الفقهي، فنقرأ ـ مثلًا ـ قول العلامة الفقيه علاء الدين علي بن خليل الطرابلسي الحنفي (ت: 844) رحمه الله في كتابه: «معين الحكام فيما يتردَّد بين الخصمين من الأحكام» المطبعة الميمنية بمصر: 1310هـ، ص: 215: «والدُّعَّارُ يُحبَسون حتَّى تُعرَف توبَتُهم». والدُّعَّار جمع الدَّاعر: وهو الفاسق الفاجر الشرِّيرُ.

وقال العلامة الشوكانيُّ في «نيل الأوطار» دار الحديث، القاهرة: 1413، 8/350: «والحاصل أن الحبس وقع في زمن النبوة وفي أيام الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن في جميع الأعصار والأمصار من دون إنكار. وفيه من المصالح ما لا يخفى، لو لم يكن منها إلا حفظ أهل الجرائم المنتهكين للمحارم الذين يسعون في الإضرار بالمسلمين، ويعتادون ذلك، ويعرف من أخلاقهم، ولم يرتكبوا ما يوجب حدًّا ولا قصاصًا حتى يقام عليهم؛ فيراح منهم العباد والبلاد، فهؤلاء إن تركوا وخلي بينهم وبين المسلمين بلغوا من الإضرار بهم إلى كل غاية، وإن قتلوا كان سفك دمائهم بدون حقِّها؛ فلم يبق إلا حفظهم في السجن، والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك، حتى تصح منهم التوبة أو يقضي الله في شأنهم ما يختاره، وقد أمرنا الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بهما في حقِّ من كان كذلك؛ لا يمكن بدون الحيلولة بينه وبين الناس بالحبس، كما يعرف ذلك من عرف أحوال كثير من هذا الجنس».

وللقاضي والفقيه الدستوري عبد القادر عودة (ت: 1954م) رحمه الله في كتابه: «التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي» دار الكتاب العربي، بيروت، 1/383 وما بعدها؛ بحثٌ نفيس في (نظرية المسؤولية الجنائية)، بيَّن فيها تميُّز الشريعة وتفوُّقها على القوانين الوضعيَّة، وممَّا قاله في ثنايا بحثه 1/389: «إنَّ العقوبة فُرضت لحماية الجماعة، وحفظ نظامها، وتحقيق الأمن لها، فهي ضرورة اجتماعيةٌ استلزمها وجودُ الجماعة، وكل ضرورةٍ تقدَّر بقدرها. فإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تكون العقوبة قاسية غُلِّظت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة أن تخفَّف العقوبة خفِّفت العقوبة، وإذا اقتضت مصلحة الجماعة استئصالَ المجرم استؤْصِلَ منها: إما بقتله، وإما بحبسه حتى يموت، أو ينصلحَ حالُه».

قال عبد الحق التركمانيُّ عفا الله عنه: ما ذكرته هنا ليس اكتشافًا جديدًا، بل هو منثور في كتب الفقه، معروف عند أهل العلم، ومن أراد التوسُّع في دراسة هذه المسألة فعليه بكتب المتقدمين، وثمَّة دراسات معاصرة عن أحكام السَّجن، منها: «حكم الحبس في الشريعة الإسلامية» رسالة ماجستير لمحمد عبد الله الأحمد، جامعة الملك عبد العزيز: 1399، وإنما أردتُ التَّنبيه إلى جانب من جوانب عظمة الشريعة الإسلامية، وعدم إغفالها المصالح العليا للمجتمع بدعوى حفظ حقوق الأفراد، خلافًا للقوانين الوضعية التي تعاني من هذه الإشكالية، فهي قاصرة محدودة عاجزة، لأنها صادرة عن قاصرين محدودين عاجزين!

تلك هي القوانين الوضعية، وذلك هو واقع أهلها معها؛ ورغم ذلك فقد فُتن بها كثير من المسلمين، وظنوا أنَّ فيها الخير للأفراد والمجتمعات، ولم يسلم من فتنتها كثيرٌ من المنتسبين إلى الفقه والعلم والدعوة إلى الله تعالى، حتَّى صار عندهم من المسلَّمات منع الحبس من غير محاكمة مطلقًا، وتقييد سلطات الدولة في ذلك بالقانون الذي يحدِّد الحبس لغرض التحقيق بأيام معدودة لا يمكن تجاوزها، وقد سمعتُ على قناة (المجد) الفضائية كلمة لأحد المتخصصين في الفقه الإسلامي بدراسته الأكاديمية (الماجستير والدكتوراه) وبعمله أيضًا بنفس التخصص في جامعة إسلامية مرموقة، صرَّح فيها بأنَّ السجن دون محاكمة: «من الظلم الذي لا يقرُّه قانون سماويٌّ، ولا تشريع أرضيٌّ»! فلا أدري هل هذا جهلٌ منه أم تجاهل؟! أم إنَّه الافتتان بالقانون الوضعي، في الوقت الذي يحاول واضعوه من الغربيِّين التخلُّص منه أو تغييره أو تقييده، من بعد ما تبيَّن لهم أنه لا يحقِّق الخير للمجتمع ولا يضمَن سلامته وأمنه واستقراره: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. والحمد لله رب العالمين.

وكتبه: عبد الحق التركماني


شارك المحتوى: