التكفير

حمد بن عبدالعزيز العتيق

خطبة التكفير

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثير ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.

أما بعد:إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة

في النار أما بعد أيها المسلمون:

تكلمنا في الخطبة الماضية عن أصل الإيمان عند أهل السنة والجماعة وعرفنا أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة اعتقاد بالقلب، ونطقٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح، والأركان يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.

واليوم أيها الإخوة نتكلم عن أصل أهل السنة فيما يقابل الإيمان ألا وهو التكفير.

والتكفير يا عباد الله في هذه الأيام حصل فيه خلطٌ عظيم فمن الناس من صار يكفر المسلمين بغير حق ثم قامت طائفةٌ أخرى تريد أن ترد على هؤلاء فأغلقت باب التكفير وقالوا: لا يمكن أن يكفر المسلم أبداً ولو فعل ما فعل ولو سب الله ورسوله ولو أشرك بالله تعالى وكل ذلك مخالفٌ لأهل السنة والجماعة .

فإن التكفير عند أهل السنة والجماعة حكمٌ شرعيٌ ثابتٌ في الكتاب والسنة قال تعالى:)وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ((التوبة: من الآية66) فكفرهم الله U بعد إيمانهم وإسلامهم لأنهم استهزئوا برسول الله r.

ثانياً:التكفير عند أهل السنة راجعٌ للدليل الشرعي ليس إلى العواطف ولا إلى الأهواء ولا إلى الأعراف إنما التكفير حقٌ لله I يحكم على ما شاء بالكفر ويقابل ذلك ألا يحكم على ما شاء بالكفر I قال ابن القيم:

(الكفر حق الله ثم رسوله بالنص يثبت لا بقول فلان من كان رب العالمين وعبده أي: محمداً r قد كفراه فذاك ذو الكفران). فليس كل ما استقبحه الإنسان يكون كفراً بالله تعالى فبعض الناس ما إن يرى بعض الفسقة، أو العصاة الذين يصرون على المعاصي ويوغلون في الفجور والفسوق إلا ويرميهم بالتكفير والعياذ بالله!

بأي شيء؟! بمجرد عاطفةً عارية عن الدليل لأنه استقبح ذنوبهم وفجورهم فكفرهم بغير دليلٍ من كتاب الله ولا من سنة رسول الله r.

ثالثاً: لقد حذر الله ورسوله r من تكفير المسلم بغير حق وهذه رسالة إلى المتسرعين في التكفير الذين يقتحمون بغير تفكرٍ ولا روية.

اسمعو إلى ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال r:{ من قال لأخيه يا كافر يعني ـ من قال للمسلم يا كافرـ فإن كان كما يقول وإلا حارت عليه}. يعني: إن كان هذا الرجل مستحقاً للتكفير فلا بأس أما إذا لم يكن مستحقاً للتكفير فإن هذا الكفر يرجع على قائله نسأل الله السلامة والعافية.

رابعاً: ليس كل من قال بالكفر أو فعل الكفر يكون كافراً .

فقد يقع الإنسان في الكفر فيقول كلمة الكفر أو يفعل الكفر لكن أهل السنة لا يكفرونه لماذا؟ لوجود مانع من موانع التكفير فيه.

وهل تدرون ما الموانع التي تمنع من تكفير المسلم ولو وقع في الكفر ولو قال بالكفر بلسانه؟

أولها: الخطأ فربما يتلفظ الإنسان بالكفر خطأً كما في صحيح مسلم من حديث أنس في حديث الرجل الذي أضاع دابته في الصحراء لما وجدها ماذا قال: قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح فهذا الرجل سب الله I لما قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك لكن الله U يعذره بخطئه قال تعالى:) رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا( (البقرة: من الآية286) قال الله تعالى في الحديث القدسي قد فعلت فمن وقع في قول الكفر أو وفعل الكفر مخطئاً فلا يجوز تكفيره

المانع الثاني: الإكراه ربما أكره المسلم وعذب من أجل أن يقول كلمة الكفر أو من أجل أن يفعل الكفر فلا يجوز لمسلمٍ أن يكفره لأنه قد أكره على ذلك وأجبر على ذلك كما حصل لعمار بن ياسر t فإن المشركين عذبوا أسرة آل ياسر حتى قُتلت سمية أم عمار رضي الله عنها أبشع قتله قتلها عدو الله أبو جهل بأن رماها بالحربة في قلبها وقيل في فرجها رضي الله عنها وما زالوا يعذبون ولدها عمار بأصناف العذاب فلما اشتد عليه العذاب قالوا لا نطلقك حتى تنال من رسول اللهr فلا يكفون عنه التعذيب إلا إذا سب رسول الله r فمع شدة التعذيب فعل ذلك رضي الله عنه وأطلقه الكفار فخرج هائماً على وجهه إلى رسول الله r قال: يا رسول الله هلكت قال: يا رسول الله هلكت قال: وما ذاك يا عمار قال إنهم مازالوا يعذبونني حتى نلت منك حتى وقعت في سبك يا رسول الله فقال له رسول الله r كيف تجد قلبك هل وافق قلبُك لسانَك؟ قال أجد قلبي مطمئناً بالإيمان إنما فعلت ذلك بلساني مكرهاً يا رسول الله فقال البر الرحيم الرءوف rقال:له إن عادوا فعد لو فعلوا بك مرةً ثانية وعذبوك وأكرهوك على قول الكفر ففعل فإن المكره قد عفا الله Uعنه وأنزل الله في ذلك ) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ((النحل: من الآية106) أما من رضي بالكفر بقلبه ولسانه حال الإكراه فهذا الذي يقع عليه الوعيد نسأل الله السلامة والعافية.

ومما يمنع المسلم من التكفير إذا وقع في الكفر أن يكون جاهلاً بحكم الله وحكم رسوله r فربما وقع المسلم في الكفر وهو جاهل لغلبة الجهل ولعدم من يعلم أو ينبه ولعموم الجهل في بلاد الإسلام والمسلمين في هذه الأيام فإذا وقع المسلم في الكفر جاهلاً دون أن يعلم فإن الله ورسوله r يعذرونه روى الترمذي بإسنادٍ صحيح من حديث أبي واقد الليث t قال: { خرجنا مع رسول الله r إلى حنينٍ ونحن حُدثاءُ عهدٍ بكفر كان بعض الصحابة حديث عهدٍ بالإسلام كما يقال اليوم مسلمٌ جديد وخرجوا للجهاد مع رسول الله r قال فمررنا بسدرةٍ للمشركين يعكفون عندها وينطوون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط مروا بشجرةٍ يعبدها المشركون ويظنون أن هذه الشجرة تجعل البركة والقوة في أسلحتهم فيعلقون أسلحتهم على هذه الشجرة فلما رآها المسلمون الجدد قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواط اجعل لنا شجرةٌ نفعل بها كما يفعلون فقال رسول الله r سبحان الله أينزه الله عن ذلك سبحان الله قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم إله قال إنكم قومٌ تجهلون لتركبن سنن من قبلكم فهؤلاء الصحابة y وقعوا في ذلك لأنهم كانوا حديث عهدٍ بإسلام فهل كفرهم رسول الله r؟ كلا. بل نبههم رسول الله r فعلمهم.

فإذا وقع المسلم في الكفر بقوله، أو بفعله فلا يجوز أن يبادر أحدٌ إلى تكفيره حتى ينظر أهو مخطأٌ، أم قاصدٌ هل هو مكرهٌ، أو مختارٌ هل هو جاهلاٌ أم عالمٌ وقبل ذلك لا يجوز لمسلمٍ أن يرمي أخاه المسلم بالكفر.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تلبسهما علينا فنضل ونشقى ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيرا أما بعد أيها الإخوة في الله:

هذا هو منهج أهل السنة في التكفير ويقابله يا عباد الله يقابله منهج الخوارج يقابله منهج التكفيريين الذين كفروا العباد بغير دليلٍ أو مسوغ تراهم اليوم يكفرون أولاً حكام المسلمين بأي شيء بوجود المعاصي ثم إذا كفروا الحكام قالوا: ومن يعينهم فهو كافرٌ معهم فيكفرون الشرطة والعساكر ثم يقولون: إن المجتمع الذي لا يحارب هذه الحكومة وهؤلاء العساكر هو مجتمعٌ كافر فيكفرون المسلمين بالجملة فتراهم يقتلون، ويريقون الدماء وينتهكون الأعراض والأموال بحجة ماذا؟ بحجة تكفير العباد وبسم ماذا؟ بسم الجهاد في سبيل الله.

والله ورسوله والجهاد في سبيله براءٌ من هؤلاء ما هم إلا خوارجٌ أخبر عنهم النبي r وإن أظهروا الصلاح والتقى،وإن أطالوا لحاهم، وقصروا ثيابهم، وحفظوا القرآن فإنهم خوارج أخبر عنهم النبي r كما في حديث البخاري من حديث أبي ابن سعدٍ الخدري t قال: جيء إلى النبي r بذهيبةٍ من اليمن -مالٌ من اليمن جاء إلى رسول الله r– فشرع النبي r ليقسمه بين الناس يقسمه كما علمه الله، فخرج رجلٌ يقال له (ذو الخويصرة) فقال:يا محمد اعدل، يا محمد اعدل فقال له النبي r: ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ إن لم يعدل النبي r فمن يعدل فقال عمر: دعني أضرب عنقه يا رسول الله. لأنه أذى رسول الله r فقال: دعه لألا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فلما أدبر الرجل قال النبي r: يخرج من ضئضئي هذا يخرج تبعاٌ لهذا الرجل أناسٌ يحقر أحدكم صلاتهُ إلى صلاتهم إذا رأيتم صلاتهم وكثرة صلاتهم احتقرتم صلاتكم، ويحقر أحدكم صيامه إلى صيامهم إذا رأيتم صيامهم وكثرته احتقرتم صيامكم ويحقر أحدكم قرأته إلى قراءتهم إذا رأيتم قراءتهم للقرآن وذكرهم لله U احتقرتم قراءتكم لكتاب الله من شدة تعبدهم فهل قال النبيr:{فإذا رأيتموهم فادعوا لهم فإذا رأيتموهم فأعينوهم} قال r:{يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان} تراهم يقيمون العمليات في بلاد التوحيد والسنة وإراقة الدماء في بلاد الإسلام والمسلمين كما أخبر عنهم النبي r {يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان} يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لأن أدركتهم -يقول النبي r: لو خرجوا عندي- لقتلتهم قتل عاد أي:استأصلتهم من أولهم لآخرهم طوبى -بشرى من النبي r لمن- طوبى لمن قتلهم أو قتلوه فهي بشرى لمن قُتل على أيدي هؤلاء الخوارج وبشرى لمن أعان على تخليص المسلمين من شرهم.

نسأل الله U أن يرفع عن المسلمين فتنتهم وبلاءهم وأن يفضحهم وأن يهتك أستارهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم من أراد بلادنا وولاتنا وعلمائنا وشعبنا بسوءٍ فجعل كيده في نحره وشتت رأيه واجعله غنيمةً للمسلمين اللهم اجعل تدميره في تدبيره ياذا الجلال والإكرام اللهم قيض لهم يداً من الحق حاصد إنك سميع الدعاء اللهم أصلحنا ياحي ياقيوم وأهدنا إلى صراطك المستقيم وتب علينا توبةً نصوحة ياذا الجلال والإكرام اللهم أنت القوي ونحن الضعفاء أنت العزيز ونحن الأذلاء اللهم انصر أمة محمداً r اللهم أجعل العاقبة لإخواننا أهل السنة في كل مكان اللهم لا تجعل للكافرين عليهم ولا للمنافقين عليهم سبيلا ولا للمبتدعة عليهم سبيلا ولا لشيعة والرافضة عليهم سبيلا اللهم وحد كلمتهم على الكتاب والسنة ولي عليهم خيارهم ولا تولي عليهم شرارهم اللهم اجمع كلمت إخواننا في فلسطين على الكتاب والسنة اللهم أرفع الفتنة عنهم اللهم أحقن دمائهم وأحفظ أعراضهم وأموالهم وأنفسهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين عامة وولاتنا خاصة اللهم أرزقهم الحكم بكتابك وسنة رسولك واجعلهم رحمةً على رعاياهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن تنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم انزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم زدنا ولا تنقصنا اللهم أثرنا ولا تؤثر علينا اللهم لا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك واجعل ما أنزلته علينا قوةً لنا وبلاغاً إلى حين وعوناً لنا على طاعتك وأوزعنا أن نشكر نعمتك ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام وصلي اللهم وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


شارك المحتوى: