أحوالنا الراهنة .. وسنن الله الكونيّة

د. عارف بن عوض الركابي

أحوالنا الراهنة .. وسنن الله الكونيّة

بقلم : د. عارف عوض الركابي

حديث الناس في المجالس العامة والخاصة والصحف ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الالكتروني في هذه الأيام عن رفع الدعم والغلاء وسوء الأحوال الاقتصادية في بلادنا وارتفاع سعر الدولار والهبوط الشديد لسعر الجنيه … ويأتي هذا الحال في الوقت الذي تشهد فيه بعض مناطق البلاد حروباً وقتلاً وسفكاً للدماء وتفلتات أمنية ، وبالتالي فإن حالنا حال سيء في ناحيتين مهمتين في الحياة وهما (الأمن) و(الغذاء) ..

يتحدث الكثيرون عن الأسباب والعلاج ، ويصدق المثل في تلك التحليلات الكثيرة المتباينة بأن (كل إناء بما فيه ينضح) .. فكلٌ يحلل وفق ما لديه من معلومات أو قناعات..

إن لله تعالى في هذا الكون سنناً لا تتبدّل ولا تتغير (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) .. من تلك السنن أن بقدر إعراض الناس عن دين الله وبعدهم عن أوامره ووقوعهم في نواهيه تكون العقوبات والمصائب والبلايا ، لا تتخلّف هذه السنة الكونية ولا تتبدّل ، قال الله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) هذه هي النتيجة التي يصل إليها المعرضون عن دين الله وعن توجيهاته وتوجيهات رسوله عليه الصلاة والسلام.

ومن يتأمل العقوبة التي حكاها لنا القرآن الكريم وحصلت في موقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أفضل البشر بعد الأنبياء وهم صحابته الكرام عليهم رضوان الله وذلك في يوم أحد فقد قال الله تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .. (قل هو من عند أنفسكم) ومثله درس آخر في غزوة حنين .. (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) فهل عقلنا وتعلمنا هذا الدرس العظيم ؟!

وفي المقابل الرخاء مع صحة المعتقد والإقبال على الله (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) .. (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) .. (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)

وقد يصحب الإعراض عن أوامر الله تعالى المجاهرة بالإعراض العصيان وقد ورد الوعيد الشديد للمجاهرين والمجاهرات فقد قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين…).. رواه البخاري ومسلم ، فالمجاهرون عرضوا أنفسهم للهلاك والضياع بسبب مجاهرتهم ولم تشملهم معافاة الله لهم ..

وإذا نظرنا في واقعنا وحالنا وجدنا أنواعاً من الإعراض والمجاهرة بالمخالفات الشرعية ، ومؤسف أن كثيراً من وسائل الإعلام تسهم في نشر الفساد والمجاهرة ، فالشرك بالله وعبادة غيره من المخلوقين تنتشر في جهات كثيرة في بلادنا وبعض وسائل الإعلام تنشر ذلك والأمن بين الخالق سبحانه أنه لمن لا يشركون به شيئا قال الله تعالى : (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) وفسر النبي عليه الصلاة والسلام الظلم الوارد في الآية بأنه الشرك بالله وقد قال الله تعالى : (إن الشرك لظلم عظيم) .. والبدع والمعاصي تنشر في الليل والنهار ، ومن المؤسف أن شهر رمضان الماضي تنافست فيه بعض القنوات لتقديم الأغاني وجمع للرجال والفتيات يغنون في وقت صلاة التراويح والملايين يتابعون ذلك وغيره من البرامج الآثمة السيئة التي لا تحل في غير أي زمان فكيف بشهر التوبة والقرآن والصيام والقيام ؟!! ولم ينته شهر رمضان إلا والبلاد تغرقها (مطرتان) ويهلك الكثيرون ويهلك الكثير من الممتلكات والمنازل ويتشرد الآلاف ويرحمنا الناس وتأتينا الإغاثات والمعونات من أشد بلاد الله فقراً !!! (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) .. فقد ربط الله تعالى بين الفساد وهو نتيجة وبين أفعال الناس وتصرفاتهم.

هذا هو الداء وهذا هو الدواء ، وهذه هي سنة الله الكونية ، فعلى الحريص على الإصلاح وتغير الحال أن يحسن وصف الدواء لنفسه ولغيره ، فالفساد الذي ينتزع به حق الله في العبادة ، أو حق نبيه عليه الصلاة والسلام في الاتباع والطاعة من أهم ما يجب أن يعتنى بحسمه ، وكذلك الفساد العقدي الخطير الذي انتشر في بعض جهات بلادنا بالطعن في زوجات النبي الكريم وصحابته الكرام وهو طعن يراد منه الطعن في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وهذا من أسوأ أنواع الفساد في أرض الله تعالى ومن الطعن في القرآن والسنة اللذان شهدا بفضلهم وعدالتهم رضي الله عنهم وأرضاهم … فالمد الشيعي من أخطر أنواع الفساد الذي ينتشر في البلاد ، ومن صور الفساد انتهاك الأعراض واللعب بأعراض المسلمين ، فامتلأت الشوارع بمناظر مخجلة ، ومؤذية ، بل سوح الجامعات وصالات التعليم تشهد فساداً واضحاً ولا حياء لهؤلاء ، وغيرها من صور الفساد كالظلم وأكل الأموال بالباطل سواء المال العام أم الخاص .

قال الله تعالى : (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).

في تفسير هذه الآية نقرأ في تفسير القرطبي ما يلي : “وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية ، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف ، وانظر فيه متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم …”أ.هـ.

وفي تفسير السعدي نقرأ : “كذلك من سنتنا (أي سنة الله تعالى) أن نولي كل ظالم ظالماً مثله، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه ، ويزهده في الخير وينفره عنه ، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها. والذنبُ ذنبُ الظالم ، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه ، وعلى نفسه جنى { وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } ومن ذلك أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم ، ومنْعهم الحقوق الواجبة ، ولَّي عليهم ظلمة ، يسومونهم سوء العذاب ، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله ، وحقوق عباده ، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين.كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا ، أصلح الله رعاتهم ، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف ، لا ولاة ظلم واعتساف…” أ.هـ

ورحم الله هؤلاء الأئمة ، فلمّا علموا وأدركوا آيات الله الشرعية ، وتأملوا آياته وسننه الكونية ، نطقوا بالحكمة وأحسنوا النصح .. فهل من متعظ ؟!

ولمزيد من التوضيح والبيان فقد جاء عن سيد ولد عدنان عليه الصلاة والسلام ما يلي : عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ ، فَقَالَ : (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ :لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ ، وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا.وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ.وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا.وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ ، إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

أتمنى أن ندرك هذه السنة الكونية التي يجريها الله تعالى في خلقه ، ويتغير بسبب ذلك حالنا فنعلن توبة صادقة وصالحة ونقبل على دين الله تعالى ونعبده على هدي نبيه عليه الصلاة والسلام ونجتهد في الاستقامة على طاعته سبحانه وتعالى ونتناصح ونتعاون على البر والتقوى حتى يغير الله ما بنا ويرحمنا ، (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).


شارك المحتوى: