وجدت ملاحظات على الشيخ جمال الدين القاسمي، فهل هو عالم سلفي؟


يقول السائل: نسمع من البعض يقول عن الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى أنه سلفي، ومحدِّث الديار الشامية، وآخرهم يصفونه بأنه على خطى محمد عبده الأفغاني، ولقد وجدت عفا الله عنه في كتابه “قواعد التحديث” يذكر اسم ابن عربي مسبوقًا بالعارف غير دون تنبيه في حاشية الكتاب على ضلالته، وتعجبت، وقرأت على الشبكة أنه يدافع عن الجهمية، فزاد عجبي، فهل هذا صحيح؟ وهل تكلم فيها أحد علماء المملكة؟

يُقال جوابًا عن هذا السؤال: إن ممن ينبغي أن يعلم أن القاسمي قد اشتهر باعتقاد السلف، وبنصرة اعتقاده، ويدل لذلك ما يلي:

الأمر الأول: جهده الكبير في تخريج اعتقاد السلف من تخريج العلوم، وإثبات الأسماء والصفات على طريق السلف، وإثبات الاستواء، وأطال الكلام في ذلك.

الأمر الثاني: في علاقته بالسفليين كالألوسي وغيره من سلفي زمانه، وكانت بينهم تبادل رسائل إلى غير ذلك.

الأمر الثالث: أن له جهودًا كبيرة في نشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي نشر علم ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، حتى ذكر عن نفسه أنه كتب ثمانيًا وعشرين رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأن عنده رسائل صغرى، وأنه كان يدعو إلى طباعتها، ويتحسر لماذا تقاعس الناس في طباعة هذه الكتب إلى غير ذلك، من الكلام العظيم الذي يدل على تعلقه بشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكان معروفًا بذلك.

ومن تعلق بشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فلابد وأنه على اعتقاد السلف، وأنه محب لهما، وناصر لاعتقاد السلف.

هذا وغيره يدل على أن الرجل على اعتقاد السلف، إلا أن له كلامًا آخر يستنكر لما كتب في تاريخ الجهمية والمعتزلة، وذكر أن قتل الجهمي كان سياسيًا إلى غير ذلك، وهذا كلام مشكل للغاية، بالنظر إلى ما تقدم ذكره وما اشتهر عنه من نصرة السلف، ونصرة شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله ونشر كتبهما.

وهذا المشكل لا أظن أنه يقوى على إزالة كل ما تقدم، لاسيما وله كلام قوي في الرد على الجهمية وغيرهم من أهل البدع، بل الأشاعرة الذين هم دون الجهمية.

وقد رأيت رسالة كتبها الآلوسي إلى القاسمي يشير فيه على أن بعضه لم يُفهم ما أراده بكتابته عن الجهمية إلى غير ذلك، وهذا يدل على أن هناك ظرفًا معينًا استدعى أن يكتب القاسمي مثل هذا.

فهذا يهوِّن من شناعة هذا الخطأ، لاسيما بعرضه على ما تقدم ذكره.

فأكثر ما يقال: إنه أخطأ هذا الخطأ الشنيع، لكن قد يكون هناك ظرف استدعى لهذا الخطأ، وذلك يتضح أكثر بالنظر للأمور السابقة التي تقدم ذكرها.

وقد يخطئ القاسمي في بعض الأمور كما يخطئ غيره، لكنه يبقى عالمًا اشتهر بنصرة السنة، لذا كان الشيخ العلامة الألباني كثير الثناء عليه، وأثنى عليه شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى، وأثنى عليه العلامة محمد أمان الجامي.

لذا أظن -والله أعلم- أن من الخطأ الكبير أن يلحق بجمال الدين الأفغاني أو محمد عبده، وهذان الرجلان من العلماء العقلانيين الذين لم يُعرَفوا إلا باتباع العقل ومخالفة الكتاب والسنة، وعدم نصرة الاعتقاد السلفي، بل عندهم من المؤاخذات العظيمة العقدية مما لا يصح بحال أن يلحق بهم بجمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى.

لذا أدعو إلى الإنصاف في هذا العالم، وأن يحمل خطؤه على أنه خطأ، وعلى أن له ظرفه الذي استدعاه فيُحَجَّم بحجمه، ولا يبالغ في هذا الخطأ، فضلًا على أن يتنازع إخواننا وليختلفوا، وليبدِّع بعضهم بعضًا من أجل الثناء على جمال الدين القاسمي.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمَنا، وجزاكم الله خيرًا.