نريد وسطية السلف لا وسطية غيرهم


نريد وسطية السلف لا وسطية غيرهم

د. إبراهيم بن عبدالله المطلق / جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

السلف هم القرون المفضلة التي فازت برضا الله عز وجل وثنائه، وفازت بتزكية نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهم أهل السنة والجماعة.. لُقّبوا بأهل السنة لتمسكهم الشديد بنصوص السنة وعملهم بها دون تأويل أو لَي أعناق نصوصها بما يتوافق مع أهوائهم، ولُقّبوا بالجماعة للزومهم الجماعة وحرصهم على الاجتماع وبُعدهم عن الاختلاف والافتراق.. وعقيدتهم كما وصفها أئمة الدين من السلف والخلف هي: (أنهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية، ووسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، ووسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية، ووسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج).

وقد بقيت هذه العقيدة متوارثة مصداقاً لقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله). وقد هيّأ الله لهذه العقيدة مَنْ يقوم عليها وينافح عنها حتى يومنا هذا. ومن مسائل هذه العقيدة التي خالف فيها بعض الفرق مسألة السمع والطاعة لأئمة المسلمين بالمعروف ومسألة الجهاد في سبيل الله تعالى ومسألة الولاء والبراء.. فالسمع والطاعة لأئمة المسلمين مع تواتر النصوص في كتاب الله تعالى وعلى لسان رسوله الصادق الأمين ليست في نظر بعض دعاة اليوم من قضايا عقيدة أهل السنة والجماعة، وإنما هي موضع اجتهاد.. ولعل واقعنا وما شهدناه من أحداث مفادها مفارقة الجماعة ونزع يد الطاعة ما هي إلا إفرازات بل نتائج وثمرات قرن مضى سمعنا خلاله مَنْ يُكفّر حكام المسلمين ويلعنهم ويتباهى بالأشعار التي كلها ذم وسب وتجريح، والحضور قد بدت على شفاههم ابتسامات الإشادة والإعجاب بمثل هذه الترهلات والضلالات.

أولئك الحضور عدد منهم يدندن اليوم حول الوسطية، ووالله انهم هم أنفسهم أعداء الوسطية، أعني وسطية أهل السنة والجماعة.. وقد هيّأ الله لهذا المجتمع مَنْ يأخذ بيده إلى الكتاب والسنة ويرده إلى الحق على يد الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب وبمناصرة وتأييد وحماية الإمام محمد بن سعود رحمهما الله تعالى، فقامت دولة آل سعود على عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهج السلف الصالح.. تلكم العقيدة الوسط وذلكم المنهج الحكيم، وتوارث حكامها هذه العقيدة وهذا المنهج إلى يومنا هذا.

ولعلي أن أتناول قضية واحدة فقط تؤكد مصداق ما أشير إليه في هذا الطرح، هذه القضية هي قضية السمع والطاعة لأئمة المسلمين بالمعروف، كما أسلفت، وهذه القضية قد جاءت الأدلة صريحة في الأمر بها.. قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، وقال عليه الصلاة والسلام: (اسمع وأطع وإن تأمّر عليك عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وعلى أثرة علينا).. والذي ندين الله به ونعتقده أن عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب لم تخالف عقيدة السلف الصالح في جميع أسسها وركائزها، ومن ذلك السمع والطاعة لولاة الأمر.. وبين يديك أخي القارئ بعض أقوال الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – حول هذه القضية المهمة.. يقول رحمه الله: (وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله.. ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه). ويقول رحمه الله: (الأصل الثالث أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشياً). وبيّن رحمه الله في شرحه لمسائل الجاهلية أن من مسائل الجاهلية مخالفتهم لولي الأمر وعدم طاعتهم له وقبولهم لأمره وهذه من المسائل التي خالف فيها النبي عليه الصلاة والسلام أهل الجاهلية.

هذه عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – في هذه القضية.. ولعل الجميع يوافقني أن بعضنا ممن ينتمي إلى بعض الفرق المنحرفة والأحزاب المبتدعة قد استغل تلكم الأحداث التي مرت بها بلادنا ليحمل دعوة الشيخ رحمه الله وزر هذا الفكر ويقول إن هذه الفرقة الضالة قد استقت منهجها المنحرف من دعوة الشيخ محمد.. وقد أسلفت لك أخي القارئ أقوال الشيخ محمد رحمه الله في السمع والطاعة، وبين يديك أقواله رحمه الله في التكفير، فيقول رحمه الله: (ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام). ويقول أيضاً: (وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله).. وغيرها من أقواله رحمه الله في هذه القضية.

وموضع الشاهد هنا أن الذين ينادون اليوم بالوسطية جمّ غفير، منهم ممن ينتسب إلى العلم وأهله، وبعضهم ممن لا يؤمن بدعوة الشيخ ولا يرى لها إجلالاً وقدراً، وبالمقابل تجده من خريجي مدرسة بعض الجماعات التي تزعم أنها إسلامية وقد خالفت وسطية أهل السنة والجماعة في عدد من المسائل.. فأين الوسطية التي ينادون بها؟ وليت شعري ماذا يريدون؟ هل يريدون إقناع العالم وبالأخص ولاة الأمور أنهم هم أهل المنهج الحق؟ وماذا عن الجفاء والتفريط في شأن ولي أمر المسلمين، والذي ذاقت هذه البلاد بعضاً من نكباته وويلاته؟.. ولعل أقرب مثال على ذلك هو ذاك الهجوم العنيف على الحكومات الإسلامية التي اضطرت للاستعانة بقوات أجنبية لدفع صولة العدو في احتلال دولة الكويت من قِبَل صدام حسين، وحينما انبرى من الدعاة مَنْ يبرر لهذه الاستعانة ويؤكد على ضرورة السمع والطاعة تحول الهجوم على هذا الصنف من الدعاة، فوجهت لهم الألقاب وصنفوا أنهم يسبحون بحمد الحكام، وقد تكررت هذه العبارات على مسامعنا آنذاك.. وماذا أيضاً عن التفسير الخاطئ والمملوء بالحماس في قضية الجهاد في سبيل الله بعيداً عن فَهْم نصوص الكتاب والسنة وفَهْم النبي عليه الصلاة والسلام وسلف هذه الأمة وتطبيقهم له؟..

وماذا عن الفَهْم الخاطئ أيضاً لقضية الولاء والبراء دون فَهْم لنصوص الكتاب والسنة حول هذه القضية؟.. فالنبي عليه الصلاة والسلام توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، فماذا عن ولائه وبرائه عليه الصلاة والسلام؟.. وماذا يترجم هؤلاء هذا الفعل منه عليه الصلاة والسلام وخدمه عليه الصلاة والسلام أيضاً غلام يهودي؟.. وبعض دعاة اليوم يرى بل يعتقد وجوب مقاطعة الكفار جميعاً، ويرى بل يعتقد عدم الدخول مع أي منهم في بيع وشراء ومعاملات ونحوها.. فهل فَهِمَ هؤلاء نصوص الكتاب والسنة في التعامل مع غير المسلمين؟.

أقول: إن حملة هذه الأفكار الخاطئة حول هذه القضايا المهمة بالأمس هم الذين ينادون اليوم بالوسطية.. ولعل الكثير منهم قد فضحه ماضيه وانكشفت أوراقه.. فهل ندرك خطر هؤلاء ونحذر تقلباتهم وازدواجيتهم ومحاولة خديعة الأمة بتلميع أنفسهم، ومَنْ سواهم في غي وضلال؟. وفّق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح والإخلاص قولاً وعملاً.

 

جريدة الجزيرة – العدد 11873 – الجمعة 22 صفر 1426.

ونشرت في جريدة الرياض بنفس التاريخ – العدد 13430 بعنوان: (نريد وسطية السلف.. لا وسطية خوارج العصر!).