موكبان لا ثالث لهما


موكبان لا ثالث لهما

د. إبراهيم بن عبدالله المطلق *

يولد الشاب فيفرح به والده فرحا شديدا وتنهال التهاني والتبريكات على الوالدين ثم يبدأ هذا الشاب في معاركة الحياة والتدرج في النمو الجسمي والتعليمي منهيا الطفولة ثم سن التمييز ثم سن المراهقة ثم يبدأ بالتفكير في التكوين الذاتي والخروج من قفص العزوبة والدخول في الحياة الزوجية فيبدأ هذا الهاجس يشغل فكره ويقلق ذهنه، ينتقل بعد ذلك إلى البحث عن تلكم التي ستشاركه حياته يمنة ويسرة والكثير ينسى أو يتناسى قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاطفر بذات الدين تربت يداك) فتجد غالب وأهم شروط شبابنا ان تكون بيضاء طويلة واسعة العينين,, ولوحرص الشباب على الصفة الرابعة في الحديث السابق مع وجود الصفات الأخرى أو بعضها لكان أجدر في سلامة سفينة الحياة الزوجية ووصولها بإذن الله إلى ساحل النجاة محملة بالسعادة والبنين والبنات، فيبحث الشاب ويسأل حتى يجد بغيته ويتقدم ويخطب ثم يعطى ويمهر ويحدد يوم الزواج يوم الفرحة والأنس ينتظر هذا اليوم على أحر من الجمر ويبدأ يعد الايام بل الساعات والدقائق والثواني ويخلو بنفسه في شقته المؤثثة ويتخيل فلانة ويصيح بأعلى صوته فلانة ثم يتذكر أنها لم تأت فلانة بعد فيضحك من نفسه، وهكذا ينتظر ساعة العرس يوم الموكب الاول من موكبي حياته، فيأتي اليوم الذي تجتمع فيه العائلة والأصدقاء في منزل والد الزوج وكل يعلو محياه البشر والفرح وتظهر عليه ملامح الأنس ويخرج الزوج وقد تجمل وتهيأ لمزفوفته هيئة جميلة وملابس جميلة ورائحة جميلة ويتحرك الموكب متجها إلى قاعة الأفراح لا تكاد تصف السعادة التي ملأت قلب هذا الزوج ووالديه وأسرته وأصدقائه وينتهي هذا الموكب بزف الزوج والتهاني والتبريكات له ولوالديه لمدة أسبوع أو أسبوعين ويبدأ بالحياة الزوجية ويمتلىء بيته بالبنين والبنات ويتدرج في مراحل الحياة، يصل الأربعين ليقول:رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذرِّيتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ، ويبدأ بالانتقال إلى المرحلة الأخيرة وتتغير ملامح الشباب والنشاط لتبدأ ملامح الشيخوخة وهو يتجاوز الخمسين والستين ليدخل في بحر السبعين وقليل من يتجاوزها ثم تأتي نقطة النهاية الدنيوية: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفَّون أجوركم يوم القيامة فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلاّ متاع الغرور) ويُغسل ويُكفن ويُصلى عليه ليبدأ بعد ذلك الموكب الثاني حيث تحمله سيارة الإسعاف أو غيرها إلى المقبرة ثم تعال فانظر إلى وجه أهله وعشيرته وأقاربه وأصدقائه ترى وجوهاً تعلوها الكآبة والحزن، الدمعة لا تكاد تفارق الدمعة والكل يلهج اللهم اغفر له اللهم ارحمه لقد كان إنسانا فاضلاً وإنساناً صالحاً وإنساناً ذا خلق,,ويدفن في تلكم الحفرة التي لا يتجاوز طولها مترين وقعرها متر تقريباً ثم ينصرف عنه الجميع وتمتلأ ساحات المنزل بالمواسين (عظم الله أجركم وجبر مصيبتكم وغفر لميتكم) لمدة ثلاثة أيام فقط بعدها يبدأ النسيان لهذا الفرد يدب إلى قلوب الأسرة وكأن شيئاً لم يكن.
فتبدأ بعد ذلك المحاسبة على كل لحظة من لحظات هذه الحياة: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع وذكر منه شبابه فيما أبلاه وعمره فيما أفناه,,)
نعم هما موكبان لا ثالث لهما أحدهما موكب فرح وأنس وسرور وابتهاج والآخر موكب بكاء وحزن, إن العاقل في هذه الحياة المرحلية والكيّس هو من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

جريدة الجزيرة – العدد 10150 – الخميس 11 ربيع الثاني 1421 .