من أين جاءنا فكر التفجير ؟


من أين جاءنا فكر التفجير ؟

د. إبراهيم بن عبدالله المطلق ( * )

تضمن مقالي السابق والذي نشر في هذه الجريدة بعددها رقم 11378 تاريخ الأحد 28/9/1424هـ. بيان منهج سيد قطب في الحكم على المسلمين عموماً بالكفر دون فقه منه، عفا الله عنا وعنه، لمفهوم لا إله إلا الله ولا عجب في ذلك فلا يعرف عنه طلب العلم بأي شكل من أشكاله نعم، هو كاتب وأديب ومفكر يستطيع بأسلوبه الأدبي إقناع القارئ بما يريد.
وما أود إضافته إلى ما سبق في المقال آنف الذكر هو إفتاؤه بل حثه وتحريضه لشعوب المجتمعات الإسلامية بضرورة الثورة العارمة على حكامها وأنظمتها عموماً في مشارق الأرض ومغاربها وقد رجعت إلى هذا القول والمسطر في مصنفه في ظلال القرآن وإليكم نصه: «… لعلك تبينت مما أسلفنا آنفاً أن غاية الجهاد في الإسلام هي هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها. وهذه مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام – غير منحصر في قطر دون قطر بل مما يريده الإسلام ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة، هذه غايته العليا ومقصده الأسمى الذي يطمح إليه ببصره إلا أنه لا مندوحة للمسلمين أو أعضاء الحزب الإسلامي عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها» المرجع في ظلال القرآن سيد قطب ج3/ص1451 طبعة دار الشروق.
هذا هو قول سيد ومفهومه نصاً دون تأويل التشريع لهؤلاء التفجيريين بالقيام والسعي لتغيير النظم الحالية عبر ما أشار إليه إمامهم في قوله آنف الذكر من ضرورة إحداث انقلاب عام في جميع أقطار المعمورة لا يختص بقطر دون قطر وهذا ما برر ويبرر ما يعيشه واقع العالم الإسلامي ليس مختصاً بقطر دون قطر الشروع في مهمة إحداث الانقلاب في مشارق الأرض ومغاربها.
أدعو القراء جميعاً إلى فقه عقيدة أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية في تكفير المسلم ومتى يحكم بالكفر وما هو الكفر البواح وقول العلماء في الشروط التي تجيز إحداث الانقلاب العام الذي يشير إليه سيد في مقاله السابق، بل أدعو القراء إلى العودة إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توجهنا بكيفية وأسلوب التعامل مع الحاكم المسلم الذي يشهد ألاّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وكتب العقيدة مليئة ببيان الحق ومنها العقيدة الطحاوية وغيرها.
ولعل من الضرورة بيان شيء من الأسباب التي أوصلتنا إلى الواقع المرير الذي نعيشه وساعدت في انتشار هذا الداء الخطير والمرض القاتل.
أولاً: عدم إدراك أصحاب القرار في أقطار المعمورة خطورة فكر جماعة الإخوان المسلمين وإغفاله وعدم الحزم المبكر بإعلان الحرب على هذا الفكر وتفنيد أقوالهم بل وعذراً إعطاء الفرص لمنظري هذا الفكر بالتمكين لهم بكل ما يعني التمكين بهدف احتوائهم واستراتيجية الاستفادة منهم في بعض القضايا المستقبلية وإن أدى هذا الاحتواء دوراً إيجابياً إلا أنه استثمر من قبل أولئك في خدمة الفكر وبثه وإعمال المنصب في الاستفادة من كافة الوسائل الإعلامية والمؤسسات الرسمية والأهلية والتعاونية في دعمه فكرياً ومادياً وحسياً ومعنوياً.
ثانياً: الاتهام الجريء من حملة هذا الفكر لكل من يدين الله تعالى من العلماء وطلبة العلم بخطورة فكرهم ويحذر منه ويسعى لفضحه وبيان مكامن الخطر فيه بأنه رجل مباحث وغايتهم في ذلك الإساءة إلى سمعته في أوساط المجتمع وتنفير الشباب منه أو يتهم بأنه يريد تفريق المسلمين أو يرمي إلى الشهرة أو يريد بعمله هذا إرضاء المسؤول ليحظى بمنصب أو مكرمة دنيوية وأعرف عدداً من مشايخنا الأفاضل أوذي بهذا الأسلوب فلا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأقول سبحان الله ومتى شققنا عن قلوب البشر لنعلم نواياهم ومقاصدهم ولقد كانوا هم يرددون هذه العبارة حينما يؤول قول أحد منظريهم بالتأويل السيء سمعنا ولا زلنا نسمع أنتم تتهمون النوايا.
ولما ابتلي به عالمنا وأوقعنا اليوم من ظهور التعصب المقيت بأنواعه سواء التعصب الحزبي أو التعصب الثقافي أو التعصب الشهواني، كل ذلك على حساب التعصب الديني، استطاع قادة هذه الأحزاب أن يؤثروا في الرعاة والرعية وأن يوجدوا لهم قاعدة عريضة وشعبية كبيرة وأن يقصوا ويهمشوا الدور الأسمى لعلمائنا الكبار بل وأن يضعفوا دور المرجعية الشرعية كما استطاعوا أن يوجدوا فجوة كبيرة بين العلماء والأمراء وبين العلماء والشباب وبين العلماء والعامة واستطاعوا أن يقنعوا الناس عامة بأن دور العلماء ينحصر في قضايا الحيض والنفاس والطلاق وغيره أما القضايا المهمة الفكرية والاقتصادية والتعليمية وغيرها فهم أبطالها وفرسانها فشاركوا في الإمساك بالزمام والمشاركة في كبينة القيادة ليقودوا المجتمعات إلى ما يعيشه واقعهم اليوم، فجاؤونا بالاحتفالات البدعية وحسّنوا لنا ضرورة إعادة النظر في المناهج بدعوى أنها تنمي الإرهاب وأحدثوا مركزاً ليكون منبراً لهم ولأمثالهم من أصحاب الملل المنحرفة، كي يبثوا منه أفكارهم وعقائدهم المنحرفة وأحدثوا وزالوا الكثير من التغييرات وعلى جميع المستويات.
أقول أيضاً نحن أمة وفقنا الله لحمل لواء الزعامة الدينية وأكرمنا الله ومكن لنا حينما بنينا قواعدنا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ووفقنا لتطبيق شرعه وحدوده فمكانتنا في أعماق قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا لأننا المملكة العربية السعودية.. ولكن لعنايتنا الخاصة والمشكورة بمقدسات المسلمين وللجهود العظيمة والمواقف الكبيرة المباركة التي بذلها ويبذلها قادتنا وفقهم الله تجاه المسلمين عموماً فهل يريد قادة هذه الأفكار أن نكون مثل شيلي أو شيكوسلوفاكيا أو النبيال أو غيرها من الدول التي تقع على هامش الواقع.
إنه لا نجاة لنا، رعاة ورعية، إلا بالعودة إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وإعادة دور المرجعية الشرعية كما كان معمولاً به لدى أسلاف مؤسسي هذا الكيان العظيم والذي ما كان ليقوم لولا التعاهد والتواثق على العمل بالكتاب والسنة وتطبيق شريعة الله وتنفيذ حدوده في كل صغيرة وكبيرة وتقريب العلماء واستشارتهم والعمل بنصائحهم، فلن يصلح آخرها إلا ما صلح به أولها، ولن يصلح آخر هذا المجتمع، رعاة ورعية، إلا ما صلح به أوله والعاقل من اتعظ بغيره واللبيب من اعتبر بحوادث الدهر والجميع يعلم تماماً ولنتعظ بما مر بنا من محن ومصائب وفتن عبر عدة سنوات فوالله ما أوتينا إلا من قبل أنفسنا فإلى متى ونحن في طريقنا إلى الهاوية فكرياً وأمنياً وسلوكياً..؟ ألا نستيقظ ونراجع حساباتنا قبل فوات الأوان.
والله من وراء القصد و هو المستعان والهادي إلى سواء السبيل.

( * ) عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

جريدة الجزيرة – العدد 11402 – الاربعاء 23 شوال 1424.