شكر الله على أن نبلغنا رمضان


شكر الله على أن نبلغنا رمضان .

إن الحمد لله … أما بعد : فاتقوا الله عباد الله ، واشكروا له أن هداكم لأكمل دين وأتمه وأيسره.

عباد الله : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ورفع الله تعالى به الأغلال والآصار التي كانت على من قبلنا . قال الله تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه معلقا:أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ “ وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه :” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ” وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان : “ يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ فإن من الناس من إذا دخل شهر رمضان أخذ نفسه بشدة ، ثم ما يلبث أن يمل ويستثقل العبادة ، وربما تركها؛ ولهذا أرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العمل الصحيح الذي يعين على الدوام من غير استثقال . روى الشيخان واللفظ للبخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَنْكَحَنِى أَبِى امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا فَتَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ :” الْقَنِى بِهِ ” . فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ:” كَيْفَ تَصُومُ ؟” . قَالَ كُلَّ يَوْمٍ . قَالَ “وَكَيْفَ تَخْتِمُ” . قَالَ: كُلَّ لَيْلَةً . قَالَ ” صُمْ فِى كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةً وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ شَهْرٍ ” . قَالَ قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ ” صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِى الْجُمُعَةِ ” . قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ: ” أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا ” . قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ “صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ: صَوْمِ دَاوُدَ صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِى كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً ” .

فَلَيْتَنِى قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَاكَ أَنِّى كَبِرْتُ، وَضَعُفْتُ، فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ، وَالَّذِى يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ؛ كَرَاهِيةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ .

عباد الله: إن العبادات التي شرعها الله تعالى لنا شرعها لحكم عظيمة ، منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه، ولكن ليس فيها شيء من تكليف العباد فوق ، وسعهم، وعلى العباد أن يعرفوا هذا ويعملوا ، فإن الله تعالى يقول في شهرنا هذا : { أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

وقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة فقال : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}وقال تعالى : {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}

ومن الناس من ينصحه الأطباء الثقات بالفطر، ويخبرونه بأنه قد تتلف نفسه أو يتلف شيء من أعضائه ، ثم يتحامل على نفسه بالصوم. وهذا حرام، ليس من دين الله في شيء، ويخشى عليه من النار؛ لأنه كان سببا لإهلاك نفسه مع رخصة الله له ، وكذا الحامل إذا كانت تخشى على نفسها أو ما بطنها، فإنه يجب عليها الفطر . فديننا دين صالح لكل زمان ومكان ، وأعطى كل ذي حق حقه، فاللهم أحينا عليه وتوفنا عليه . بارك الله لي ولكم …

 

الحمد لله على إحسانه …

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ، واشكروا له أن بلغكم هذا الشهر، الذي هو شهر الذي يفرح به كل مؤمن ، ويكرهه كل منافق ، وانظر إلى فرحك بهذا الشهر ، فإن كنت فرحا به لما فيه مما يحبه الله تعالى ويحبه رسوله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنك على خير عظيم، وإن كنت تفرح به ليكون لما سوى ذلك، أو كنت تستثقله ، فارجع إلى نفسك وفتشها، فإن القلب فيه من المرض ما فيه، فاعجل بالدواء قبل أن يستفحل الداء ، وأكثر من الدعاء، وأقلع عما هو سبب لذلك من الذنوب والمعاصي . هذا وصلوا وسلموا …