حلقات تحفيظ كتاب الله وملاحظات غيور


حلقات تحفيظ كتاب الله وملاحظات غيور

د. إبراهيم بن عبد الله المطلق/جامعة الإمام

لا غبطة إلا في اثنتين.. رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه في سبيل الله آناء الليل وأطراف النهار، وبفضل الله تعالى نرى كماً هائلاً من أبناء هذه البلاد بين هاتين الغبطتين، وقد وفق الله الشيخ عبد الرحمن الفريان – رحمه الله – ورفع درجته في جنات النعيم حينما سبق وشرف بإنشاء والإشراف على جماعة تحفيظ القرآن الكريم، وهنيئاً له – رحمه الله – قول النبي عليه الصلاة والسلام (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وهنيئاً لكل من حذا حذو الشيخ في الاهتمام بكتاب الله تعالى، والقيام على تحفيظه ودعم هذه الحلقات إما معنوياً أو حسياً.. فكم ساهم هذا الدعم والعناية والتشجيع في تخريج هذا الكم الهائل من حملة كتاب الله تعالى، ولا يشك منصف في أن الكثير من هؤلاء مقصدهم سامٍ وغايتهم نبيلة في القيام على هذا العمل العظيم والجهد المأجور بإذن الله تعالى.

وأريد من باب الغيرة والمحبة لهؤلاء القائمين على هذه الحلقات والشفقة عليهم أن أنبه إلى قضية يغفل عنها الكثير منهم ومن أولياء أمور الناشئة.

هذه القضية هي ما يلاحظه الكثير من عودة القائمين على هذه الحلقات إلى ما كانت عليه الحلقات في فترة مضت.. أعني العودة إلى إحياء فكرة ضرورة ترفيه طلاب الحلقات وتشجيعهم من خلال الخروج بهم إلى بعض الاستراحات والشاليهات، أو الخروج بهم في رحلات سياحية للترفيه والتسلية، ولا خلاف في أهمية الترويح عن نفوس أولئك الحفظة تشجيعاً لهم على مواصلة الحفظ وتجديداً وتقوية للذاكرة.. وملاحظتي هي أننا قد مررنا بتجربة عدوانية على أمن هذا الوطن والمواطن ومكتسباته، وقد علم الجميع أن عدداً ممن شارك في هذا العدوان حفظة لكتاب الله تعالى، وربما بعضهم ممن التحق بهذه الحلقات وتخرَّج منها، وأعتقد أن هذه الحلقات والقائمين عليها براء من فكر هؤلاء، ولكن وقد حصل هذا فهناك من يصطاد في الماء العكر، وربما أن هناك من يتهم هذه الحلقات بالمشاركة في تأصيل فكر التكفير وفكر الخروج على ولاة أمور المسلمين من خلال استضافة من يقوم بتوجيه هذه الناشئة، ووعظهم في تلك الاستراحات والرحلات دون احتياط وتثبت ممن يستضاف لمثل هذا العمل التربوي الدعوي العظيم فينتج عن ذلك بعض ما عاشته وتعيشه بلادنا الغالية من خروج فئة عن الطريق المستقيم لتزهق الأرواح البريئة والمعصومة وتخوِّف الآمنين، وتدمِّر الممتلكات، ولعل الكثير يوافقني أن هناك ومن وراء الستار ممن شرقت نفسه الخبيثة بمثل هذا الجهد العظيم والعناية الفائقة وعلى جميع المستويات بكتاب الله تعالى وحفظه فعمل جاهداً على استثمار هذه الأمور واتهام القائمين على هذه الحلقات والعمل ضد هذه الحلقات بكل الوسائل والأساليب.

ورؤيتي في هذه القضية الهامة من منطلق محبتي العظيمة لهذه الحلقات وشفقة على فلذت الأكباد الذين يلتحقون بهذه الحلقات بكل رغبة وحرص وبراءة، هي التوجه للبحث عن بديل مناسب ومرغوب يفيد في ترفيه أبناء الحلقات.

فلعل من أنسب ما يمكن أن يطرح بديلاً لهذه الاستراحات والشاليهات والرحلات وغيرها، هو وضع برنامج يتكوَّن من عدة فقرات منها تنظيم زيارات لبعض كبار علمائنا ومسئولينا والالتقاء بهم، والاستفادة من توجيههم وإرشاداتهم.. ومنها أيضاً تنظيم زيارات لبعض المرافق المهمة والمصانع الكبيرة، ومنها كذلك تنظيم مسابقات علمية وثقافية ورياضية تحت إشراف جهات رسمية مسؤولة.. ومنها أيضاً إنشاء متنزهات ومراكز ترفيهية في كل حي من الأحياء تكون تحت إشراف جهة رسمية ومؤهلة تماماً لاستقبال شبابنا بكل مستوياتهم العلمية، ويمكن أن يُخصص يوم في الأسبوع لطلاب الحلقات دون غيرهم فيحصل المقصود من الترفيه والتسلية تحت إشراف ومتابعة.

ومنها أيضاً تقديم حوافز وجوائز مادية للحفظة.. وأختتم بهذه الرؤية بضرورة أن يُخصص جزء من وقت الحلقات يدرس فيه طلاب الحلقات بعض المقررات والتي تناسب مرحلتهم التعليمية والفكرية ويركز فيها على المقررات التي تؤصل عقيدة أهل السنة والجماعة، وتؤصل لزوم جماعة المسلمين والسمع والطاعة لأئمتهم بالمعروف، وتبيِّن المفهوم الحق والصحيح للولاء والبراء والجهاد في سبيل الله تعالى، وتؤصل منهج السلف في التعامل مع الفتن.وكل ذلك تحت جهة إشرافية مسؤولة تقوم بالإشراف المباشر والمتابعة لهذه البرامج، ولا يترك للاجتهاد الفردي من قِبل القائمين على هذه الحلقات.. ورؤيتي أيضاً أن يقتصر على هذه البرامج، ويمنع ما سواها ويحذَّرمن القيام به.

أظن لو قمنا بمثل هذا سوف نتكاتف جميعاً في الحفاظ على هذه الحلقات وقطع الطريق على كل من تسوِّل له نفسه الإساءة لها أو الطعن فيها أو القائمين عليها.

 

جريدة الجزيرة – العدد 11858 – الخميس 7 صفر 1426.