تصريح الدكتور ناصر العمر في الميزان الشرعي


تصريح الدكتور ناصر العمر في الميزان الشرعي

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد

فقد انتشر بين الناس مقطع مرئي للشيخ الدكتور ناصر العمر -وفقه الله- تحدث فيه عن قصة حصلت له حين أراد إيصال رسالة إلى الملك، ثم أخذ يذكر الموقف والحلول المناسب فعلها في مثل هذا الحدث .

ولأننا مسلمون مأمورون بعرض كل قول أو فعل على ميزان الكتاب والسنة ، فإن الميزان الشرعي لكلامه –وفقه الله ورعاه- يقتضي الآتي:

أولا: ملخص كلام الدكتور في ثلاثة أقسام :

١- حسن وصفاء النية منه وممن معه في نصيحتهم وخطابهم للملك .

٢- قوبل نصحهم بالرفض والإعراض أو عدم التجاوب من المسئوولين .

٣- جواز الإنكار العلني على الحاكم إذا لم تنفع المناصحة السرية ، ودليل ذلك قصة أبي سعيد رضي الله عنه .

فهذه ثلاث نقاط .

ثانيا: وبعرض الأقسام الثلاثة على الميزان الشرعي يتبين ما يلي:

النقطة الأولى:

– مع تصديقنا لسلامة نيتهم وصفاء مقصدهم إلا أنه لا يصح الاحتجاج بذلك على جواز فعلهم ، فإن النية وحدها لا تكفي في الشرع ، بل لا بد أن يكون مع النية الحسنة الطريقة الصحيحة الشرعية .

وهذا ما يعبر عنه أهل العلم بقولهم : لا تصح العبادة إلا بشرطين :

– الإخلاص (حسن القصد وإرادة وجه الله) .

– والمتابعة (الطريقة الصحيحة التي دلنا عليها الشرع) .

وهذا لا يختلف فيه معنا الدكتور ناصر العمر، فإنه يقول بتحريم الإحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه طريقة غير شرعية مع أنه يعلم أن بعض المحتفلين ما قصدوا إلا الخير .

إذن: النقطة الأولى ليست محلا للنقاش .

النقطة الثانية:

– قوبل نصحهم بالرفض والإعراض أو عدم التجاوب من المسؤولين .

هذا الحدث لو أخذنا بذكره وذكر أضعافه من الصباح إلى المساء فإنه لا يخرج عن كونه داخلا فيما يسميه الشرع والعلماء: ظلم الحكام وجورهم.

وقد تكلم أهل العلم قديما وحديثا مبينين أن هذا ليس بجديد، بل هو مذكور في الأحاديث وكتب أهل السنة بكثرة ، وأكتفي بذكر حديثين ليَعلم الجاهل ويتذكر الناسي:

١- عن علقمة بن وائل عن أبيه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قلنا يا نبي الله : أرأيت إن قامت علينا أمراء يسالونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) رواه مسلم .

٢- وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ستكون أثرة وأمور تنكرونها ) قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال : ( تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم ) رواه البخاري ومسلم.

إذن: النقطة الثانية أيضا ليست هي محل الجدال والنقاش .

النقطة الثالثة:

– قولهم بجواز الإنكار العلني على الحاكم إذا لم تنفع المناصحة السرية ، واستدلالهم بقصة أبي سعيد رضي الله عنه .

كأن هذه هي نقطة الخلاف ، لكن قبل ذكرها ومناقشتها لا بد من ملاحظة أمر يتفق عليه الجميع ، وهو : أننا مأمورون بسلوك الطرق الشرعية، وعدم وجودها أو عجزنا عنها لا يُسوغ لنا سلوك الطرق المحرمة.

فلو رأينا رجلا أخذ مال أحد ظلما، ونصحناه ولم يستجب، فلا يجوز لنا رفع السلاح عليه ليرجع المال ، مع أنه طريق وسبيل لإخافة الظالم وإجباره على إرجاع المال .

إذن ينحصر الخلاف في التالي : إذا لم تُحقِق المناصحة السرية فائدة ونتيجة ، هل ننتقل إلى المناصحة العلنية لأنها تصير جائزة ؟

أو نقول: لا يجوز الانتقال إليها لأنها محرمة ؟

الدكتور ناصر العمر –وفقه الله- يرى الرأي الأول ، واستدل له بدليلين : قول أبي سعيد الخدري لما أنكر على مروان بن الحكم تقديمه صلاة العيد على خطبتها .

وبإنكار عمار بن رؤيبة رضي الله عنه على بشر بن مروان الذي كان يفعل فعلا محدثا أثناء الخطبة برفع يديه ، فنهاه عن ذلك .

ووجه الدلالة من الحديثين كما ذكر الدكتور ناصر العمر : هو أن الحادثتين فيهما الإنكار العلني على الأمير وأمام الناس، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة والتابعين الموجودين ، فدل على أنهم متفقون على ذلك ، وأنه لا يوجد مخالف بينهم .

هذا تقرير كلام الدكتور وتأصيله .

ومن تأمل هذا الكلام يدرك خطأه ومخالفته للدليل والميزان الشرعي .

بيان ذلك من خلال مقامين : مقام التنزل ومقام التحقيق .

فأما مقام التنزل : فهو على التنزل بصحة استدلال الدكتور بالقصتين على الحادثة، فلا يصح للدكتور اعتبار قوله بذلك راجحا ، لورود أدلة أخرى تبين عدم جواز الإنكار العلني على الحاكم والأمير ، فلا يصح له العمل بأحد الأدلة دون الأخرى إلا ببرهان وحجة واضحة .

والأدلة المحرمة للإنكار العلني كثيرة ، أكتفي بذكر ثلاثة أدلة منها :

أ- عن عياض ابن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدي الذي عليه له ” رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة .صححه الألباني وجوده ابن باز .

ب- أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل قال: قيل لأسامة بن زيد: لو أتيت عثمان فكلمته، قال: إنكم لتـُرَوْنَ أني لا أكلمه إلا أسمعكم، إني أكلمه في السر، دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه.

ج- ثبت عن عبد الله بن عكيم -فيما أخرج ابن سعد في طبقاته وغيره – أنه قال: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان ” فيقال له : يا أبا معبد أو أعنت على دمه ؟ فيقول: إني أعد ذكر مساويه عوناً على دمه .

فتلحظ في هذه الأدلة أنها متفقة على حرمة الإنكار العلني دون تقييده بكون المصلحة فيه أو لا .

ففي الأول قال : (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به) هذه مناصحة سرية .

فإن لم تنفع ؟ قال في تمام الحديث (وإلا كان قد أدى الذي عليه) . فأين المناصحة العلنية؟

وفي الثاني : جعل أسامة رضي الله عنه المناصحة العلنية باب فتنة فقال (إني أكلمه في السر، دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه)، فكيف يكون باب الفتنة مشروعا إن لم تنفع الطريقة الصحيحة ؟

وتنبه إلى أن الذي طلبوه من أسامة هو أن يقوم بالمناصحة العلنية .

وكذلك يقال في الدليل الثالث .

فنعود : لو تنزلنا بصحة استدلال الدكتور على قوله بالدليلين اللذين ذكرهما، فلماذا أخذ بهما مع وجود أدلة أخرى صحيحة تعارضهما ؟

هذا كله على مقام وسبيل التنزل .

وأما المقام الثاني وهو مقام التحقيق :

فإن الدكتور جعل للمسألة المتنازع فيها صورتين فقط، والصواب أن لها ثلاث صور، بها تجمع الأدلة وتفهم، ولا يصير بينها أي تعارض وإشكال .

وقد ذكرت هذه الصور في مقال سابق ، أذكره هنا مع شيء من التصرف زيادة أو نقصا :

قلت : للمسألة ثلاث صور :

أ- إذا كان الإنسان عند الحاكم أمامه، فهذا له أن ينكر عليه ولو كان أمام الناس، مع مراعاة المصالح والمفاسد في ذلك .

ويستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، فقوله: (عند) تدل على أن هذا يكون أمامه لا من خلفه .

ويدل عليه ما في الصحيح من قصة الرجل الذي أنكر على مروان بن الحكم لما أراد مروان تقديم خطبة العيد على الصلاة ، فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد كان حاضرا: (أما هذا فقد أدى الذي عليه) .

فهذه كذلك فيها أن الإنكار كان في حضرة الأمير .

وقد ذكر فقيه العصر العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- أن جميع ما ورد عن السلف في الإنكار على الحكام إنما هو في حضرتهم وأمامهم ، فقال رحمه الله: (…لكن كلامنا على الإنكار على الحاكم مثل أن يقوم الإنسان -مثلاً- في المسجد ويقول: الدولة ظلمت..الدولة فعلت، فيتكلم في نفس الحكام، وهناك فرق بين أن يكون الأمير أو الحاكم الذي تريد أن تتكلم عليه بين يديك وبين أن يكون غائبا؛ لأن جميع الإنكارات الواردة عن السلف إنكارات حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم. وهناك فرق بين كون الأمير حاضرا أو غائبا) ا.هـ .

ب- ما شاع بين الناس من المنكرات كانتشار الربا أو الخمر أو غيرهما ، فهذه تُنكر ويُبين حرمتها ويحذر الناس منها من غير نسبتها إلى الحاكم، لأنه بذلك تحصل المصلحة بذكر الحكم وتحذير الناس، وتدرأ المفسدة التي قد تقع في القلوب من الهيجان على السلطان،ويدل على ذلك فعل السلف رحمهم الله، وما جاء من أدلة في حرمة الانكار العلني على الولاة إن لم يكن في حضرتهم .

وانظر أيها القارئ الكريم إلى كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله بعدل وإنصاف، هل ترى فرقا ولو بقدر أنملة بين كلامه وبين ما نقرره ونقوله ، إذ يقول رحمه الله:( ونحن لا نقول لا تنكر المنكر.

لكن لا تهاجم ولاة الأمور؛ لأن هذا ما ينفع. ولاة الأمور لا ينفع فيهم المهاجمة، لأن الشيطان يُدخل في مُخَيِّلاتهم أشياء قد لا تكون طرأت على بالك، أو أنها طرأت على بالك، لأن بعض الناس الذين ينكرون المنكر – والله أعلم بالنيات – قد يكون مقصودهم أن يتولوا السلطة، ما ندري، الله أعلم، نبرأ إلى الله من هذا الشيء، لكن أنكِر المنكر .

مثلا: البنوك حرام، هل من العقل أن تهاجم الدولة، لماذا تسمح لها وهي حرام؟أم من العقل أن تقول: يا أيها الناس احذروا هذه البنوك، لا تعاملوها، اهجروها، قاطعوها، أيهما أنفع للمجتمع؟

الثاني أنفع للمجتمع.

الأغاني مثلا في الإذاعات وغير الإذاعات موجودة، هل من الحكمة أن تهاجم وزارة الإعلام، تقول فعلت وتركت، و ما أشبه ذلك؟ أو أن تقول يا أيها الناس احذروا هذه المعازف فإنها حرام، ولا يغرنكم انتهاك الناس لها ولا كثرة استعمالها ولا كثرة بثها في الإذاعات، فإن هذا يوجب تحليل ما حرّم الله، وتحذرهم وتبيّن لهم الأدلة الدالة على المنع، أيهما أنفع للناس؟ لا شك أنه الثاني.

وأنا لست أقول في هذا اسكتوا عن الجهات المسؤولة.

ناصحوها إما بطريق مباشر أو غير مباشر، فإن حصل الهدى فهو للجميع، وإن لم يحصل فأنت سَلِمْت وبرئت ذمتك، ومن زعم أننا نريد بذلك أننا نريد أن يبقى المنكر منكرا ويُسكت عنه فهذا ليس بصحيح) .

هل ثمة فرق بين كلامه وبين ما نقوله ؟

ج- أن يكون الإنكار في غيبة الحاكم أو الأمير، كأن يكون على مجمع الناس وملتقياتهم ، وفي الصحف ووسائل الإعلام فلا يجوز ، لما سبق من الأدلة كحديث أسامة بن زيد وعياض بن غنم ، وأدلة أخرى،ذكرتها في المقال المشار إليه فانظره إن شئت: http://www.islamancient.com/index.php?new=ok

وبعد الفراغ من تحقيق المسألة وبيانها، فقد ذكر الدكتور ناصر العمر في كلامه أمرين غريبين :

أولهما: أنه قال بعد أن استدل للمسألة بما تقدم مما لا يصح الإستدلال به :(فيلزم الأخذ بهذا، ولا نتركه لأجل مجرد اجتهاد عالم) هكذا بمعناه .

وهذا غريب منه لأنه يوحي أن المخالف لقوله عالم أو عالمان ، والحقيقة التي لا جدال فيها : أن المخالفين لقوله أئمة كثر سابقون ولاحقون، ولولا خشية الإطالة لنقلت أقوالهم.

فلو كانت المسألة مجرد اجتهاد لكان تقليد هؤلاء الأئمة أولى وأحرى من تقليد الدكتور ناصر العمر ، الذي لا يخالف في أن هؤلاء أعلم منه وأسبق عملا وفضلا وجهادا في خدمة الدين .

ثانيهما: أن الدكتور ذكر أنهم ناصحوا سرا أولاً ثم اضطروا إلى إعلان النصيحة بعد ضغوطات وكلام من الناس في أنهم لم ينصحوا . ثم ذكر بعد ذلك أن الإنكار العلني جائز للمصلحة .

وهذا كذلك غريب ومتناقض ، فإن كان الدكتور لم يعلن نصيحته أول مرة خوف الفتنة وللمصلحة فكيف يعلنها بمجرد كلام الناس ، وأي مصلحة تتحقق في نصيحته للمسئول إذا أخبر الناس عنها ؟

وإن كان يرى أن الإنكار العلني جاز للمصلحة (وقد تقدم بيان بطلان ذلك) فلِمَ لم يكتف بذكر هذا ، وما شأن ومناسبة ذكر ضغوطات الناس؟

وليت من يسلك هذه الطريقة أن يعمل بكلام ونصيحة العلامة عبدالرحمن السعدي إذ يقول وهو يتكلم عن كيفية مناصحة الأمراء والمسؤولين ( وعلى من رأى منهم ما لا يحل ، أن ينبههم سراً لا علناً ، بلطف، وعبارة تليق بالمقام ويحصل بها المقصود ، فإنَّ هذا مطلوب في حقِّ كلِّ أحد ، وبالأخص وُلاة الأمور ، فإنَّ تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير ، وذلك علامة الصدق والإخلاص.

واحذر-أيها الناصح لهم ، على هذا الوجه المحمود- أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس ، فتقول لهم: إني نصحتهم وقلتُ و قلتُ: فإنَّ هذا من الرياء ، وعلامة ضعف الإخلاص ، وفيه أضرار أخر معروفة) .

أسأل الله التوفيق والخير والسعادة للجميع .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

وكتبه: ناصر بن غازي الرحيلي

المدرس في قسم العقيدة في الجامعة الإسلامية .