المرأة المعاصرة في أحضان التيارات المعاصرة


المرأة المعاصرة في أحضان التيارات المعاصرة

د. إبراهيم بن عبدالله المطلق / جامعة الإمام محمد بن سعود – الرياض

تشهد المرأة المعاصرة اليوم تنافساً غير مسبوق من قبل عدد من التيارات المهيمنة على الساحة هذا التنافس لم يشهده بل لم يسبق إليه تاريخ المرأة في عصورها الأولى والمتأمل لتصنيف المرأة كما جاء به التنزيل الحكيم يلحظ أنه اقتصر على تسميتها بديانتها التي تدين بها وتعتنقها إن مؤمنة فمؤمنة وإن مشركة فمشركة وإن كتابية فكتابية وإن مجوسية فمجوسية وهكذا.. واليوم وقد صدق في هذه الأمة قول نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم (وسوف تفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) وهي التي على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمقصود في سلامة المعتقد والطاعة لله ولرسوله لا في الوصول إلى ما كانوا عليه من الأفضلية فهذا من المستحيل لأنهم وبشهادة النبي عليه السلام أفضل القرون ولا يمكن أن يأتي قرن متأخر ليساوي فضل الصحابة كما يسعى إلى تحقيقه بعض المنتمين إلى أحد هذه التيارات المعاصرة.
تيارات اليوم تشهد تنافساً غير مسبوق في تجنيد المرأة وتدريبها وإن تضمن هذا التدريب بعض المخالفات الشرعية كالخلوة وما قبلها ما وتجر إليه فبعض التيارات والتي تحمل مسمى ولقب (إسلامي) استطاعت في نظري أن تصل إلى أكبر وأعلى درجات الفوز بتجنيد المرأة واستغلالها واستثمار جنسها كامرأة في خدمة التيار والتنظيم، ونشر الفكر وهذا ما يشهده ويشهد به الشارع اليوم فالنساء اللواتي يعملن ليل نهار لخدمة فكر واحد وتنظيم معروف قد بلغن من الكثرة والخطورة ما لا يعلمه إلا الله وكل واحدة من هؤلاء النسوة قد أجادت وأتقنت دورها ووظيفتها ومن المعروف أن الجنس النسوي يتفانى في الإتقان والإخلاص لأداء عمله على أتم وجه وأكمله ولذا فطن كبار قادة بعض هذه التيارات والجماعات لدور المرأة وضرورة السعي بل السبق إلى تجنيدها واستثمار قدراتها.. ولندلل على هذا الاهتمام لهذا التيار فالمرأة الانتحارية (الاستشهادية في معتقد هذا التنظيم) سبقت وفاقت عائشة وحفصة وزينب وصفية وغيرهن من نساء النبي وصحابته في الحرص على نيل الشهادة في سبيل الله فغزوات الرسول عليه السلام لم تثبت لنا وتؤكد عملاً انتحارياً (استشهادياً) لواحدة قط من أولئك النساء الفضليات واللواتي شهد القرآن وشهدت السنة بفضلهن وخيريتهن.. فماذا عن بطلة الجهاد الإسلامي اليوم والتي نذرت نفسها لتكون (استشهادية) أعني انتحارية في مواجهة العدو المعتدي وأين الصحابيات الاستشهاديات في غزوة الأحزاب وقد جاء وصف أحد مشاهد الأحزاب بقوله عز وجل (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) وفي الجوانب الأخرى من خدمة التنظيم تقوم المرأة (المسكينة) المجندة بكامل مسؤوليتها وعلى أكمل وجه إن كانت من الداعيات إلى الله استثمرت موهبتها وأسلوبها وقدرتها على الإقناع لمصلحة التنظيم وإن كانت ممن أنيط بها جمع التبرعات، ففي جمع التبرعات ولمصلحة التنظيم أيضاً وهكذا قد وزعت المسؤوليات والأدوار كل بحسبها وشهرتها ونشاطها وجهودها وقدراتها.
التيار الآخر والذي يحمل مسمى (لا إسلامي أو لبرالي أو علماني أو غيره مما يستجد من المسميات) أدرك أيضاً مكانة المرأة وضرورة الاستفادة منها في إقناع بني جنسها في التخلي عن العمل بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل على معصية الله تعالى ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم كل ذلك تحت مسمى التحررية والانفتاح ومواكبة الدول العظمى (دول الكفر والإباحية).. فالحجاب ظهرت علامات ودلائل بغضه وثقله على بعض اللواتي تقبلن مثل هذا الفكر وخدعن بدعاياته المضللة علماً أن هذا الفكر وقادته قد فضح على لسان نبي هذه الأمة عليه الصلاة والسلام (دعاة على أبواب من أجابهم قذفوه فيها) وهكذا.
هذا التيار يعمل جاهداً وبكل ما أوتي من قوة وإمكانيات لتغيير فطرة الله في المرأة وسلبها ما أكرمها الله به وخصها به من الإنوثة ومقوماتها لتتحول إلى رجل فتشارك الرجل في كل صغيرة وكبيرة ولم ينقص هؤلاء سوى إجراء عمليات تجميل لكل من تنخدع بفكرهم لتكون رجلاً وفي المقابل إجراء عمليات تجميل لقادة هذا التيار من أشباه النساء ليكونوا نساء وتتم العملية بسلام ويستمتع كل صنف من المترجلات والمتأنثين بالآخرين.
هناك تيار ثالث له انتشاره الكبير جداً وفي أوساط كل المجتمعات فجالوا الأرض شرقاً وغرباً وحصلت لهم كرامات وخوارق عادات عجيبة خلاصة القول في شأنهم أنهم وهبوا ما خص الله به ذي القرنين (فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)إلى قوله : (حتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا).. الآية
ولكن ما النتيجة؟
هذا التيار حتى الدولة العبرية رضيت عنهم وأرضتهم مما يؤكد بركة هذا التيار وسماحته ولحسن حظ المرأة المعاصرة ان هذا التيار لم يعرها اهتماماً بالغاً سيما في طقوس الخروج في سبيل الله والمشاركة في المؤتمرات والاحتفالات والأعياد البدعية ولو كان للمرأة مع هذا التيار حظ لاحتاج العالم أن يكثف دور رعاية الأيتام للحاجة الماسة إليها.
وإن من المؤسف اليوم أنك حينما تنظر في واقع المرأة المسلمة وتمعن النظر في فكرها وثقافتها ودورها ومسؤوليتها ونشاطها لا تكاد تجد من سلمت من أحد التيارات المشار إليها ومن تأثير هذه التيارات إلا من رحم ربي، إما من كبار السنن اللواتي هن على الفطرة أو ممن وفق وهدى للتمسك بمعتقد أهل السنة والجماعة بالتأثر بكبار علمائنا الذين عرفوا بالرسوخ بالعلم وسلامة المعتقد والله المستعان.
وبعد هذا البيان ينطرح سؤال بصيغة من المسؤول عن وضع المرأة المعاصرة؟ ومن المسؤول عن إنقاذها من أحضان التيارات المعاصرة؟ والجواب على هذا التساؤل إن المسؤول الأول هو ولي أمر كل بلد لقوله عليه السلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فهو الذي يملك تسخير الإمكانيات سواء المادية أو الحسية في حماية المرأة وصيانتها والمحافظة على عقيدتها وفكرها وثقافتها وسلوكياتها وأخلاقياتها.. ومن ذلك العمل الجاد على تطهير جميع المؤسسات الرسمية والأهلية مؤسسات إعلامية أو تربوية أو دعوية أو إغاثية أو قرآنية أو جمعيات تعاونية أو دور نسائية.. أقول لابد من العمل الدؤوب على تطهير جميع هذه المنشآت من كل من ينتمي أو تنتمي ظاهراً أو باطناً لأي من مثل هذه التيارات، فالمرأة هي الأم وهي الأخت وهي المربية والمعلمة.. فإذا استطعنا صيانتها من أي تيار مخالف لديننا وتعاليمه وتوجيهاته استطعنا أن نفوز بما نصبو إليه من إيجاد مجتمع آمن أمين.

جريدة الجزيرة – العدد 12005 – الخميس 6 رجب 1426.