التعليق على مقطع انتشر(عالِم الفيزياء،خطير جدا)


التعليق على مقطع انتشر(عالِم الفيزياء،خطير جدا)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد :

فقد انتشر هذه الأيام مقطعا مرئيا لعالم فيزيائي ، يتكلم فيه عن ما سيحصل يوم القيامة من أهوال وحوادث ، وكيفية البعث ، وموقف الناس في الحساب ، ودخولهم الجنة والنار ، يتكلم عنها بطريقة فيزيائية ، ويحاول تطويع الآيات والأحاديث على ما يعلمه من علم في الفيزياء ، فقدر الله أن أرسل لي أحد الإخوة هذا المقطع ، فشاهدته، فرأيت فيه ملحوظات كثيرة مخالفة للشرع ، فكتبتها إليه ، ثم إنه طلب مني نشرها لتعم الفائدة ، فأحببت إجابة طلبه، إلا أن المكتوب يحتاج إلى شيء من التعديل والتغيير والزيادة والنقصان ، فليس ما تكتبه لصديق في رسالة كما تكتبه لعامة الناس ، وودت أني قد فعلت ، فعدلت ليناسب نشره ، لكن وقتي هذه الأيام يضيق عن فعل ذلك ، فقررت نشره كما هو ، ليستفيد منه من يستفيد ، وليكن مفتاحا إلى ما وراءه .

فلذا ليعذر الإخوة الأكارم أخاهم إن وجدوا قصورا في المقال .

قلت في الرسالة : المقطع المرسل طيب من حيث موضوعه ، ويُذكِّر بيوم نغفل عنه كثيرا ، لكن فيه ملحوظات لا تخفى على المتأمل ، منها:

١- ذكره أن البعث يكون من عدم محض ، بحيث أن لا يوجد شيء أصلا ، وهذا عقيدة المتكلمين ، وهي خلاف ظاهر الأدلة ، فليس هناك ما يدل على كون البعث من العدم المحض .

قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في مجموع المسائل (١٧٥/١) (…وكان غلطهم لأنهم ظنوا أن الله يفني العالم كله ولا يبقى موجود إلا الله، كما قالوا: إنه لم يكن موجود إلا هو، فقطعوا بعدم كل ما سوى الله. ثم اختلفوا، فقال الجهم: إنه يفني العالم كله، وإنه وإن أعاده فإنه يفني الجنة والنار، فلا يبقى جنة ولا نار، لأن ذلك يستلزم دوام الحوادث، وذلك عند الجهم ممتنع بنهاية وبداية في الماضي والمستقبل. وقال الأكثرون منهم: بل هو إذا أعدم العالم بالكلية فإنه يعيده ولا يفنيه ثانيا، بل الجنة باقية أبدا، وفي النار قولان .

وهؤلاء قطعوا بإفناء العالم، … ، والثالث: القطع بأنه لا يفنيه. وهذا هو الصحيح، والقرآن يدل على أن العالم يستحيل من حال إلى حال، فتنشق السماء فتصير وردة كالدهان ، وتسير الجبال وتبس بسا ، وتدك الأرض ، وتسجر البحار ، وتنكدر النجوم وتتناثر ، وغير ذلك مما أخبر الله به في القرآن، لم يخبر بأنه يعدم كل شيء، بل أخباره المستفيضة بأنه لا يعدم الموجودات.

فقوله: (كل من عليها فان ) أخبر فيه بفناء من على الأرض فقط، والفناء يراد به الموت ولا يراد به عدم ذواتهم، فإن الناس إذا ماتوا صارت أرواحهم إلى حيث شاء الله من نعيم وعذاب، وأبدانهم في القبور وغيرها، منها البالي وهو الأكثر، ومنها ما لا يبلى كأبدان الأنبياء ، والذي يبلى يبقى منه عجب الذنب، منه بدأ الخلق ومنه يركب. فهؤلاء لما قالوا: إنه يفني جميع العالم وإن ذلك واقع وممكن، احتاجوا إلى تلك الأقوال الفاسدة، وإلا فالفناء الذي أخبر به القرآن هو الفناء المشهود بالاستحالة إلى مادة، كما كان الإحداث بالحق من مادة) انتهى كلامه .

وقال ابن القيم رحمه الله في النونية:

وإذا أراد الله إخراج الورى … بعد الممات إلى المعاد الثاني

ألقى على الأرض التي هم تحتها … والله مقتدر وذو سلطان

مطرا غليظا أبيضا متتابعا … عشرا وعشرا بعدها عشران

فتظل تنبت منه أجسام الورى … ولحومهم كمنابت الريحان

حتى إذا ما الأم حان ولادها … وتمخضت فنفاسها متدان

أوحى لها رب السماء فشققت … فبدا الجنين كأكمل الشبان

وتخلت الأم الولود وأخرجت … أثقالها أنثى ومن ذكران

والله ينشئ خلقه في نشأة … أخرى كما قد قال في القرآن

هذا الذي جاء الكتاب وسنة الـ … ـهادي به فأحرص على الإيمان

ما قال إن الله يعدم خلقه … طرا كقول الجاهل الحيران .

٢- ذكره أن النور الذي يعطاه المؤمنون ، ويحرم منه الكافرون ، وضرْبَ السور بينهم ، يكون حين الخروج من القبور . وظاهر أقوال المفسرين أن هذا يكون على الصراط ، وارجع إلى تفسير آيتي الحديد والتحريم .

كذلك ذكر أنهم يكونون في ظلمة ثم يضرب سور فيه نور يكون المؤمنون داخله . والذي قاله المفسرون: ان الجميع يعطوا نورا أو يكون عندهم نور ثم تطفأ أنوار المنافقين ويضرب السور .

٣- قوله: (تذهب الأرض والسماوات والشمس والقمر ، ثم لا ترجع إلا الأرض ) يرده الأحاديث الدالة على وقوف الناس في الموقف ودنو الشمس من الخلائق .

٤- زعمه أن الفردوس من المنازل والدرجات الدنيا في الجنة ، وقال: لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الله الفردوس؛ لأننا لا نصل إلى ما هو أعلى منها كجنة النعيم التي هي خاصة للانبياء والمقربين !!!

وهذا مخالف لما في البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ،ومنه تفجر أنهار الجنة)،وفي البخاري أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لأم حارثة لما قُتل ابنها في معركة بدر (يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى).

5- ذكر أن الظل الذي يكون يوم لا ظل إلا ظله ، هو ظل يقي من حرارة جهنم .

وظاهر الأحاديث أنه من حرارة الشمس .

٦- هناك أمور غيبية ذكرها تفتقر إلى دليل واضح عليها ، ولم يذكر شيئا من ذلك .

٧- تفسيره لطلوع الشمس من المغرب، الذي يُفهم منه : أن حركة الشمس طبيعية ، لكن لأجل حصول الراجفة وهي شيء يضرب في الأرض فتتحرك ويتغير اتجاهها فتتطلع الشمس من المغرب .

وأظن ذلك مخالفا لما في صحيح مسلم في سجود الشمس لربها (…فيقول: ارجعي من حيث أتيتي) ، فالحديث يبين أن التغير وقع في حركة الشمس .

كذلك تفسيره الراجفة بهذا غلط ، وهو خلاف قول المفسرين بأن الرجفة تكون عند النفخة الأولى، وكذلك يخالف ظاهر الحديث (فإذا رآها الناس آمنوا أجمعين) ، ففيه أنهم يرونها ويؤمنون ، وما ذكره هو في وصف الرجفة لا يمكن بقاء الناس معه.

8- فسر قوله تعالى (ولم يكن شيئا مذكورا) تفسيرا يوافق قول المتكلمين.

9- تفسيره لقوله تعالى (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) يحتاج إلى دليل ظاهر ، إذ أنه ذكر أمرا غيبيا لا يجزم بصحته أو فساده ، ولم يذكر قولَه المفسرون .

١0- أصل هذه الأمور هي من الغيب ، فمهما بلغ الناس من العلم فلن يحيطوا بها ، فكان الواجب جعل الآيات والأحاديث أصلا ، والعلم الطبيعي فرعا وتبعا ، فيوظف العلم بحسب الآيات ، لا أن توظف الآيات بحسب العلم ، لأن العلم يدخل فيه الغلط ، وأصحابه أنفسهم مختلفون فيما بينهم ، وقد يعدون بعض النظريات في زمنٍ من البدهيات والمسلّمات ، ثم بعدُ يكتشفون فسادها وبطلانها .

ولذا وقع المتكلم الفيزيائي في هذا الغلط ، وواضح أنه ضعيف جدا في العلوم الشرعية حتى أنه غلط في قرآءة آيات كثيرة .

وفي الختام : أحث إخواني جميعا من التحذير من مثل هذه المقاطع التي تنتشر بين الناس ، ولْيعلموا أنه قد ورد في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه الأمور ما يغني عن كل شيء ، قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في الواسطية: (وأصناف ما تتضمنه الدار الآخرة من: الحساب، والعقاب والثواب، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المنزلة من السماء، والأثارة من العلم المأثورة عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده) .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

وكتبه: ناصر بن غازي الرحيلي