الاعتراف بالذنب


الاعتراف بالذنب

إن الحمد لله … أما بعد : فاتقوا الله عباد الله ، { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}

عباد الله: إن الاعتراف بالذنب والإقرار به سبب عظيم لمغفرة الذنوب مهما بلغت، وهو سنة الأنبياء عليهم السلام ، فهذا آدم وزوجه لما اقترفا الذنب رجعا على أنفسهم باللوم ، وأقروا لله به كما قال تعالى مخبرا عنهما : {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ، وهذا نوح عليه السلام لما سأل الله لابنه ، ونهاه الله عن ذلك لأن ابنه كافر قال : {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ،

وذو النون اعترف بذنبه وهو في بطن الحوت في لجة البحر كما قال تعالى : {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }

وموسى عليه السلام لما قتل من لم يؤمر بقتله اعترف بذنبه كما قال تعالى : {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}

وهو سبيل الصالحين ، فهؤلاء إخوة يوسف عليه السلام أخبر الله عنهم أنهم قالوا : {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ }

وأخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنه لما تبين لها الحق {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }

وقد أخبر النبي عليه السلام عن سيد الاستغفار ، وهو دعاء عظيم فيه الاقرار بالذنب فقال عليه السلام كما في صحيح البخاري > سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ قَالَ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ < وبين النبي عليه السلام عظم فضلالاعتراف بالذنب ، فقال فيما رواه البخاري في صحيحه : > إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا ، فَقَالَ : رَبِّ أَذْنَبْتُ ، فَاغْفِرْ لِي ، فَقَالَ رَبُّهُ : أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا ، فَقَالَ : رَبِّ ، أَذْنَبْتُ ، فَاغْفِرْهُ ، فَقَالَ : أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ؟غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا ، قَالَ رَبِّ ، أَذْنَبْتُ آخَرَ : فَاغْفِرْهُ لِي ، فَقَالَ : أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا ، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ < ومن طبع الله على قلبه ، فإن الذنب لا يحرك ساكنا فيه، حتى يوافي الله بها ، فهذا إبليس لما أذنب ، لم يلم نفسه ، ويقر بذنبه ، وإنما عاند ولام ربه كما قال تعالى مخبرا عنه {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ }فخذوا بسنن الأنبياء عليهم السلام ، ودعوا سنة عدوكم . هذا وصلوا وسلموا …

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه … أما بعد : فاتقوا االله عباد الله، واعترفوا بذنوبكم، ولتكن موجعة لكم ، مؤرقة ، فمن كان كذلك فهو على خير عظيم ، واعلموا رحمكم الله أن الاعتراف بالذنب لا ينفع صاحبه عند الغرغرة ولا في الآخرة ، كما قال تعالى : {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}

وقال تعالى مخبرا عن أهل النار: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}هذا وصلوا وسلموا …