الاستسقاء بالأنواء


الاستسقاء بالأنواء

إن الحمد لله …

أما بعد : فاتقوا الله عباد الله واشكروا له .

عباد الله : لقد خلق اللهُ تعالى النجومَ لثلاثٍ : زينةً للسماءِ ، ورجومًا للشياطين وعلاماتٍ يُهتدَى بها ، كما قال تعالى : {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ } ، وقال تعالى :{وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} ، لكنْ مِن النَّاسِ مَن أضاع نصيبَه منها ، فاعتقدَ فيها ، ونَسَبَ إليها ما لا يجوزُ ، فمنهم مَن طَلبَ عِلمَ الغيبِ بها ، ومِنهم مَن ظنَّها مؤثرةً في هذا العالمِ ، فَظنَّ أنَّ ما يَحدثُ مِن خيرٍ أو شرٍّ فإنَّما هو مِن تأثيرِها ، ومِن ذلك ما يظنُّه بعضُ جَهَلةِ العوامِّ أنَّ لدخولِ النجمِ أو خروجِه صلةً بنزولِ المطرِ أو هَبوبِ الرياحِ ، وهذا قد حَذَّر منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وسماه كُفْرا ، فقد أَخْرج الشيخانِ عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ رضي الله عنه قال : «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ »وأخرج مسلمٌ في صحيحِه عن ابنِ عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال : مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم « أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ قَالُوا هَذِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا ». قَالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حَتَّى بَلَغَ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } » وهذا الاعتقادُ هو اعتقادُ المشركين ، وقد أخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه مِن الخلالِ التي سَتبقى في هذه الأمَّةِ ، فقد أخرج الترمذيُّ وغيرُه بسندٍ حسنٍ عن أبي هريرة رضي الله تعالى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَنْ يَدَعَهُنَّ النَّاسُ النِّيَاحَةُ وَالطَّعْنُ فِي الْأَحْسَابِ وَالْعَدْوَى أَجْرَبَ بَعِيرٌ فَأَجْرَبَ مِائَةَ بَعِيرٍ مَنْ أَجْرَبَ الْبَعِيرَ الْأَوَّلَ وَالْأَنْوَاءُ مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا». عباد الله : إنَّ اللهَ تعالى هو الذي يُنزِّلُ الغيثَ ، فما مِن قَطْرةٍ إلا بأمرِه ، و هو الذي يرسل الرياح بُشرًا بين يَدَي المطرِ ، وهو الذي يَسوقُه ، فيكونُ في مكانٍ دون مكانٍ ، وفي زمانٍ دونَ زمانٍ حِكمةً منه جلَّ وعلا {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}

ومَن اعتقد أنَّ هذا النجمَ أو ذاك هو الذي جاء بالمطرِ أو ساقَه أو أنزلَه ، فهو مشركٌ باللهِ تعالى في رُبوبيتِه يقولُ اللهُ تعالى : {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}

فاتقوا الله عبادَ الله ، وراقبوا ألفاظَكم ، وأضيفوا النعم إلى خالقها {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} بارك الله لي ولكم …

الحمد لله على إحسانه …عباد الله : لقد حَرِصَ الكفارُ والمشركون على نَشْرِ التنجيمِ بين المسلمين ، فأسَّسُوا القَنَواتِ والمواقعَ التي تَدْعو إلى ذلك ، وصار يَتصلُ بهم مَن لا خلاقَ له ؛ لِيسألَ عن سَعْدِه ونَحْسِه ، فَتَعَلَّقَتْ قُلوبُهم بغير الله ، وظنُّوا أنَّ خَبَرَ المنجمِ صِدقٌ ، ووقعوا في تكذيبِ اللهِ تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلم ، فاللهُ يقولُ : {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}

ولمَّا أنْ وَقَعُوا في هذا البلاءِ ، عُوقِبوا بنقيضِ قصدِهِم ، فأُصيبوا بالأمراضِ النفسيةِ والبدنيةِ، وذَهَبتْ أموالُهم ، وتَعَلَقوا بالأوهامِ التي أَفْسدتْ عليهم دِينَهم ودُنياهم ، وما ظَلَمهم اللهُ ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون ، فاتقوا الله عباد الله وإيَّاكم ومتابعةَ هؤلاءِ أو الاستماعَ إليهم ، فهم كُهَّانٌ كَذَبَةٌ . هذا وصلوا وسلموا