الاحتراس من الجن


الاحتراس من الجن

إن الحمد لله …أما بعد : فاتقوا الله عباد الله ، وأنيبوا إليه واستغفروه . عباد الله : إن كيد الشيطان ضعيف كما أخبر الله تعالى في قوله : {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } ولكنَّ الشيطانَ يتعاظمُ إذا وَجَد مِن الإنسانِ ضَعفا ، فيتجرأُ عليه ، ويصيبُه بالأذى، وربَّما تخبَّطَه بمسٍّ يصيبُه به . وإنَّ هذا الضعفَ إنما هو بسببِ العبدِ نفسِه ، وذلك بما يقترفُه مِن الذنوبِ والمعاصي وتركِ ذكرِ الله تعالى ، فيجدُ الشيطانُ قلبًا خاليًا مِن تعظيمِ اللهِ ، فيفرحُ به ، ويتمكنُ منه . كما أنَّ مِن أسبابِ هذا : شدةَ الخوفِ والهَلَعِ ممَّن وصفه اللهُ بالضعفِ ، والمؤمنُ ينبغي أنْ يكونَ فيه مِن القوةِ والشجاعةِ ما يكيدُ به عدوَّه ، وهذه القوةُ والشجاعةُ لا بدَّ لها مِن سلاحٍ يُعِينُ ، وهو ذكرُ الله تعالى ، والاحتراسُ بالأورادِ التي جاءت في كتابِ اللهِ تعالى وسنةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، فهي أورادٌ يقولهُا العبدُ بِلسانِه جازمًا بها قَلبُه ، فتكونُ له جُنةً مِن كلِّ عدوٍّ . يقولُ اللهُ تعالى : {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ }

لقد كانت العربُ في جاهليتِها إذا نزل الرجلُ في منزلٍ قال : أعوذُ بسيدِ هذا الوادي مِن سفهاءِ قومه ، ويَعنون بذلك رئيسَ الجنِّ ، فتقولُ الجنُّ : خافَتْنا الجنُّ وخافَتْنا الإنسُ ، فيؤذونهم ، فأنزل اللهُ تعالى : {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا }

وأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : أعوذُ بكلماتِ التامَّاتِ مِن شرِّ ما خلق ، فإنَّ مَن قالها إذا نزل منزلا لم يضرَّه شيءٌ حتى يرتحلَ مِن منزِلِه ذلك . وأخرج الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن رجلٍ كان رِدْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَثَرَتْ بِهِ دَابَّتُهُ ، فقال : «تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، فقال : لاَ تَفْعَلْ ؛ فإنه يَتَعَاظَمُ إذا قُلْتَ ذلك حتى يَصِيرَ مِثْلَ الْجَبَلِ ، وَيَقُولُ بقوتي صَرَعْتُهُ ، وإذا قُلْتَ : بِسْمِ اللَّهِ تَصَاغَرَ حتى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ» . ومن الناس مَن يُعينُ الشياطينَ على نفسِه ، فإذا أصابه شيءٌ مِن المسِّ أو السِّحْر لجأَ إلى أعداءِ اللهِ مِن السحرةِ والكُهَّانِ والعرَّافينَ يسألُهم الشفاءَ والعافيةَ، واللهُ تعالى لم يجعلْ شفاءَ أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيما حَرَّمَ عليها ؛ ولهذا لا يُعرفُ أن أحدا لجأَ إلى هؤلاءِ السحرةِ وشُفي مِن مرضِه ، بل تزدادُ الشياطينُ طغيانًا كبيرًا . نبيُّنا صلى الله عليه وسلم نهانا عما قد تَتَسلَّطُ به الشياطينُ علينا ، فحذرنا مِن السفرِ وحدنا ، فقال فيما أخرجه الشيخان في صحيحيهما : «لو يَعْلَمُ الناس ما في الْوَحْدَةِ ما أَعْلَمُ ما سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» .ونهانا عن المبيتِ وحدَنا ، فقد أخرج أحمدُ في مسندِه عن ابنِ عُمرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن أن يبيتَ الرجلُ وَحْدَه أو يسافرَ وحْدَه» . أمرنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن نحفظَ صبيانَنا ساعةً بعدَ غروبِ الشمسِ ، فقال : «إذا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أو كان جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ ؛ فإن الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ ، فإذا ذَهَبَ سَاعَةٌ من الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ تَعْرُضُ عليه شيئا» .وكثيرٌ مِن الناسِ في هذا الزمانِ كأنهم أَمِنُوا غائلةَ الشياطينِ ، فتجدُهم يُطلقون أبناءَهم للعبِ في هذا الوقتِ ، ولهذا أُصيب كثيرٌ مِن هؤلاءِ الصبيةِ بخطفةِ الشياطينِ وإيذائِهم .فاتقوا اللهَ عبادَ الله ، ولا تجعلوا للشيطانِ عليكم سبيلا .بارك الله لي ولكم …

الحمد لله على إحسانه …

أما بعد : فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن الشفاء والسلامة إنما يكونان بالأخذ بما في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإذا تركهما العبد سلط الله عليه الشياطين ، كما قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} ، وقال تعالى : {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} ، فخذوا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ودعوا ما يدعيه السحرة وشياطين الإنس من دعوى أن عندهم شفاء من الأمراض ، فالأمر كله بيد الله . هذا وصلوا وسلموا على خير خلق الله …