الأقوال الشاذة


القول الشاذ: هو ما ينفرد به قائله مخالفا للدليل والقياس متضمنا خلاف المتفق عليه بين الفقهاء ولقد حذر السلف الصالح رحمهم الله من هذه المذاهب والأقوال التي لم تبنَ على دليل صحيح، وحذروا من قائليها، كما أنهم حذروا من الأحاديث الموضوعة وألفوا فيها الكتب التي تحذر منها وتوضح وضعها وأنها مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك دافعاً عن السنة النبوية وحفاظاً على الشريعة أن يدخل فيها ما ليس منها،, وإذا ذكر القول الشاذ فإنما يذكر لعدة أسباب منها:

1)حصر الآراء والمذاهب الواردة في ذلك الموضوع، أداء وقياماً بحق الأمانة العلمية.

2) إبراز قوة الدليل بالنسبة للرأي الراجح، ولا يتم هذا إلا بذكر الرأي المقابل.

3) الاحتراز من الأخذ به، وعدم الاغترار بقائله.

وقد تواترت كتابات المتقدمين والمتأخرين في التحذير من الأقوال الضعيفة والشاذة عملا وإفتاء أو حكاية على وجه التندر أو روايتها على سبيل الطرفة والفكاهة؛ حتى لا يتخذها الجاهلون والمنحرفون ذريعة ينفذون بها إلى أغراضهم حتى غدا مثلا بين الفقهاء (أنه لا يتبع الشاذ من الأقوال إلا الشاذ من الناس) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كما في الفتاوى (ج/32ص137) «والمسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين، لا على وجه القدح فيه، ولا على وجه المتابعة له فيها، فإن في ذلك ضربا من الطعن في الأئمة، واتباع الأقوال الضعيفة».

ولكل قوم وارث، فلقد ظهرت في هذه الأزمان أراء شاذة، ومقالات باطلة يتزعمها بعض من قلت بضاعتهم في العلم، وأخذوا يخوضون في مسائل علمية شرعية بلا دراية ولا فهم, فلبسوا على الناس.

قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – (الإغاثة2/146): (ثم ذلك الخلاف قد يكون قولاً ضعيفاً، فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو من خطأ بعض المجتهدين، وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدين، وطاعة الشيطان، ومعصية رب العالمين، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهواء الغالبة فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك، والخروج عن جملة الشرائع بالكلية) وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – (التعالم ص110): (أما في المعاصرة فترى فواقر الرخص، وبواقر الشذوذ يجتمع منها الكثر في الشخص الواحد، وأجواء العصر المادي على أهبة الاستعداد باحتضان عالم الشقاق فتحمل له العلم الخفاق لنشر صيته في الآفاق، فيغتر بذلك أسير الحظ الزائل، وما زاد أن صار بوقاً ينفخ به العدو الصائل ومن شواهدها في المتعالم الواحد :….والقول بجواز إنشاء بنوك حليب الأمهات، استناداً إلى قول شاذ عن أبي ثور ولا يثبت. والقول بجواز التأمين بشتى صوره.

والقول في عموم (في سبيل الله)- في مصارف الزكاة – لبناء المساجد والمهاجع والمستشفيات..خرقاً للإجماع كما قرره المفسرون، والقول بنفي فضيلةٍ لماء زمزم. والقول بإباحة الغناء.

وهكذا في سلسلة أقوال شاذة وآراء فجة يمسك المتعالم لها روايةً ضعيفة، أو خلافاً شاذاً، أو فهماً ممرضاً فيبني عليه فتوى مجللة بحلل البيان ونضد الكلام لكنها عريةٌ عن الدليل والبرهان فالله المستعان) وما ضل من ضل بمن الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم إلا بسبب انفرادهم بآراء ومذاهب شذوا فيها عن جماعة المسلمين وذلك لبعدهم عن العلم والعلماء، فليس عندهم آلة الاجتهاد والاستنباط، ولم يسألوا أهل العلم ويسترشدوا بآرائهم فضلوا وأضلوا.

إن منهج العلماء البصيرين هو الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة فلا بد من الكتاب والسنة والرجوع إلى أقوال الأئمة من الصحابة ومن جاء بعدهم، لأن السلف الصالح هم أعلم بمراد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم عاصروا التنزيل وتعلموا العلم من معينه الصافي، ولأنه لم يختلط عليهم الأمور، قال صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة). فواجب على طلاب العلم أن يراجعوا كلام العلماء ويسألوا عما أشكل عليهم وألا يشذوا وينفردوا بالآراء والأقوال، بل عليهم أن يتهموا أنفسهم، وأن يكفوا عن الخوض بلا علم وأن يثيبوا ويرجعوا إلى رشدهم والله الموفق.