الآية الكريمة (ولا تنسوا الفضل بينكم) وخطأ شائع في تفسيرها


الآية الكريمة (ولا تنسوا الفضل بينكم) وخطأ شائع في تفسيرها

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

أما بعد :

فإن من أعلى الدرجات ، وأسنى الغايات معرفةَ وفهمَ مراد الله عز وجل بما أنزل من آيات في كتابه ، وقد قال سبحانه : (كتاب أنزلنه إليك مبارك ليدبروا آياته) ، ولذا أكثر علماء الأمة وأئمتها من التأليف في علم تفسير الكتاب وما يتعلق به من بيان أسباب النزول ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، ونحوها من المباحث المعروفة المعلومة .

ومما يتعلق بذلك : معرفة طرق التفسير الصحيحة ، وطرقه المذمومة التي توقع في الغلط في تفسير كلام الله .

ولا شك أن الكلام في التفسير بالظن وبلا علم شديد ، وسلفنا كانوا شديدي الخوف من ذلك ، حتى أنهم ربما امتنعوا من الكلام في التفسير مع كبير علمهم خوفا من الوقوع في المحذور ، قال يزيد بن أبي يزيد: (كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع).

وروى ابن جرير بإسناده : قال عبيد الله بن عمر: (لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير) .

وهذا وأمثاله كثير عنهم ، قال شيخ الاسلام رحمه الله : (وهو محمول على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا رُوي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير) .

وأنواع الخطأ في التفسير كثيرة ، ومنها أن يُفسَّر القرآن بمعان صحيحة في نفسها ، لكنّ الآية المستنبط منها المعنى لا تدل على المذكور بوجه من الوجوه ، قال شيخ الاسلام رحمه الله : ( وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم، يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها) .

وهذا النوع من الخطأ يسري في الناس ويتناقلونه حتى الفضلاء منهم ، لأن رؤيتهم إلى صحة المعنى في ذاته تمنعهم من ملاحظة عدم دلالة الآية على المعنى المراد ، لا سيما والنفس تحب ورود حجة قوية كالقرآن شاهدة لما تعتقده من المعاني .

وبعدُ : فإني رأيت آية في كتاب الله ، شاع بين الناس تفسيرها على معنى لم أره بعد بحث طويل عند أحد ممن يُعتمد عليهم في الأخذ بالتفسير ، فأحببت التنبيه عليه نصحا لله ولكتابه ، ولا أعني بشيوعه بين الناس العامةَ منهم ، بل كثيرا من الفضلاء في زماننا ، وممن يُشار إليهم بالبنان إذا ذُكِر المفسرون في عصرنا .

إن التفسير المشار إليه هو تفسير الناس لقوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم) .

وقبل ذكر الغلط ووجهه في تفسير الآية ، ولتدرك أخي القارئ أهمية ما أقوله ، سل نفسك قبل إكمال القراءة ، ما الذي تفهمه من قوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم)؟

خذ وقتا كافيا لتجب على السؤال في نفسك .

ماذا كانت إجابتك ؟

إني على يقين أن أكثر القراء يفهم منها أننا إذا عاملنا أحدا فإن الله ينهانا أن ننسى الفضل الذي كان بيننا فيما مضى من الزمان ، أو ننسى الخير والمعروف الذي وقع منه .

وبما أن الآية جاءت في سياق ذكر آيات الطلاق والفراق بين الزوجين ، فيفهم الكثيرُ النهيَ عن نسيان العشرة التي كانت من الزوجين ، حتى ربما قال بعضهم في تفسيرها : لا تجعل ساعة الخصومة تهدم سنواتِ المودَّة !!!

إن هذا المعنى لم يقل به أحد ممن يُعتمد قوله في التفسير ، بل الذي ذكُر في التفسير خلاف هذا المعنى تماما ، ولا رابط بين التفسيرين .

إن معنى قوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم) كما قرره المفسرون على اختلاف عباراتهم كله يرجع إلى أن الله ينهانا أن ننسى الفضل في معاملتنا للناس ، والمقصود بالفضل : أي المعروف والإحسان والفعل الأكمل ، لأن معاملة الإنسان لغيره لا تخلو من أمرين :

1- درجة واجبة : وهو المعاملة بالعدل والإنصاف ، بأن يُعطيَ الواجب عليه ، أو يأخذ ما وجب له.

2- درجة مستحبة : وهو المعاملة بالفضل والإحسان ، بأن يعطي ما ليس واجبا عليه ، أو يتسامح فيما وجب له من الحقوق على الآخرين .

وهذه الدرجة الثانية هي الفضل الذي نهينا في الآية عن نسيانه وعدم فعله .

فإذن : الفضل شيء زائد يفعله الانسان إحسانا منه وفضلا ، يفعله مع القريب والبعيد ، ومع الصاحب والغريب ، فلو قابلت رجلا أول مرة فمستحب لك معاملته بالفضل أي بالأحسن ، وليس ثَمَّ علاقة بكونك عاملته أو عرفته سابقا أو لم تعرفه، كما هو قول من غلط في تفسير الآية .

فالفضل في الآية على التفسير الصحيح راجع إلى الذي يُعامِل ، ومن أخطأ جعل الفضل راجعا وصادرا ممن تريد معاملتَه .

وهذه النقطة تؤكد الفرق الكبير بين التفسير الصحيح والآخر المنتشر الشائع .

ولعل من أسباب الخطأ أيضا في تفسير الآية الخطأ في تفسير كلمة النسيان في قوله تعالى (ولا تنسوا)، فيظن بعض الناس أنه أمرٌ من الخير وقعَ ممن تعامله ، ينهاك الله أن تنساه ، وليس المعنى كذلك ، وإنما المراد بالنسيان في الآية الترك ، أي : لا تتركوا فعل الأفضل ، وهذا كقوله تعالى (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم ) ، فالنسيان هنا هو بمعنى الترك .

وجميع ما سبق هو خلاصة ما ذكره المفسرون في تفسير الآية كما سيأتي نقله إن شاء الله .

وبعد بيان ما تقدم أكتفي بذكر ما ذكره شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير الآية ، وما نقله عن الأئمة في ذلك ، ولولا خشية الإطالة لنقلت بقية أقوال ما وقفت عليه من كلام المفسرين ، لكن حسبي أن أشرتُ إلى معنى كلامهم ، وكتبهم متوفرة وسهل الرجوع إليها ، فمن أحب النظر في كلامهم فليرجع إليه .

قال ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية : (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم) .

قال بعد أن ذكر تفسير الجزء الأول من الآية:

(القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} :

يقول تعالى ذكره: ولا تغفلوا أيها الناس الأخذ بالفضل بعضكم على بعض فتتركوه، ولكن ليتفضل الرجل المطلق زوجته قبل مسيسها، فيكمل لها تمام صداقها إن كان لم يعطها جميعه، وإن كان قد ساق إليها جميع ما كان فرض لها، فليتفضل عليها بالعفو عما يجب له، ويجوز له الرجوع به عليها، وذلك نصفه .

فإن شح الرجل بذلك، وأبى إلا الرجوع بنصفه عليها، فلتتفضل المرأة المطلقة عليه برد جميعه عليه إن كانت قد قبضته منه، وإن لم تكن قبضته فتعفو عن جميعه .

فإن هما لم يفعلا ذلك وشحا، وتركا ما ندبهما الله إليه من أخذ أحدهما على صاحبه بالفضل، فلها نصف ما كان فرض لها في عقد النكاح، وله نصفه .

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير: ” أنه دخل على سعد بن أبي وقاص، فعرض عليه ابنة له فتزوجها، فلما خرج طلقها، وبعث إليها بالصداق. قال: قيل له: فلم تزوجتها؟ قال: عرضها علي، فكرهت ردها. قيل: فلم تبعث بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ “

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} : قال: إتمام الزوج الصداق، أو ترك المرأة الشطر “

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} : قال: إتمام الصداق، أو ترك المرأة شطره ” .

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله .

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] في هذا وفي غيره “

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] قال: يقول ليتعاطفا”

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال. ثنا سعيد، عن قتادة: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير} : يرغبكم الله في المعروف، ويحثكم على الفضل “

حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} : قال: المرأة يطلقها زوجها وقد فرض لها ولم يدخل بها، فلها نصف الصداق، فأمر الله أن يترك لها نصيبها، وإن شاء أن يتم المهر كاملا؛ وهو الذي ذكر الله: {ولا تنسوا الفضل بينكم} “

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} : حض كل واحد على الصلة، يعني الزوج والمرأة على الصلة “

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يحيى بن بشر، أنه سمع عكرمة، يقول في قول الله: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} : وذلك الفضل هو النصف من الصداق، وأن تعفو عنه المرأة للزوج، أو يعفو عنه وليها “

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} قال: يعفى عن نصف الصداق، أو بعضه “

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال. ثنا زيد، جميعا، عن سفيان: {ولا تنسوا الفضل بينكم} :قال: «حث بعضهم على بعض في هذا وفي غيره، حتى في عفو المرأة عن الصداق، والزوج بالإتمام»

حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ” {ولا تنسوا الفضل بينكم} : قال: المعروف “.

حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو، عن سعيد قال: ” سمعت تفسير هذه الآية {ولا تنسوا الفضل بينكم} : قال: لا تنسوا الإحسان “) . انتهى نقل كلام ابن جرير رحمه الله بنصه .

هذا والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

وكتبه : ناصر بن غازي الرحيلي