hissro صفات طبقة الزنادقة وطبقة رؤساء الكفر وأئمته ودعاته - شبكة الإسلام العتيق

Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

الترحم على الكفار

صفات طبقة الزنادقة وطبقة رؤساء الكفر وأئمته ودعاته

table_sun_
عرض المقال
 
صفات طبقة الزنادقة وطبقة رؤساء الكفر وأئمته ودعاته
307 زائر
03-04-2018 11:50

صفات طبقة الزنادقة وطبقة رؤساء الكفر وأئمته ودعاته

(وهي تنطبق على الزنادقة المعاصرين من العلمانيين والليبراليين والرافضة)

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "طريق الهجرتين" (2/878-896) [طبعة دار عالم الفوائد] :

[[طبقة الزنادقة]]

وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله. وهؤلاء المنافقون، وهم فى الدرك الأسفل من النار. قال تعالى: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}.

فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزادت المنافقون عليهم بالكذب والنفاق.

وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}.

ومثل هذا اللفظ يقتضى الحصر، أي: لا عدو إلا هم. ولكن لم يرد هاهنا حصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من باب إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهراً وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإنَّ ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم -وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم؛ لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً ثم ينقضي، ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحاً ومساءً، يدلّون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم. فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: {هُمُ الْعَدُوُّ} لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدواً من الكفار المجاهرين.....

والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياء، ولهذا يُستهزأ بهم في الآخرة، ويُعطون نوراً يتوسطون به على الصراط، ثم يطفئ الله نورهم، ويقال لهم: {ارْجَعُوا وَرَاءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُوراً}. وُيضرب بينهم وبين المؤمنين: {بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قَبْلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُم وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغرَّكُمْ بِاللهِ الغرُورِ}. وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاء أن يُفتح للعبد طريق النجاة والفلاح، حتى إذا ظن أنه ناجٍ ورأى منازل السعداء= اقتُطع عنهم وضُربت عليه الشقوة. ونعوذ بالله من غضبه وعقابه.

وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداء، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم؛ كانوا أغلظ كفراً، وأخبث قلوباً، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم، وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين. ولهذا قال تعالى في المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُم لا يَفْقَهُونَ}، وقال فيهم: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعونَ}، وقال في الكفار: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلونَ}.

فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم تجاهل، وأقر ثم أنكر، وآمن ثم كفر. ومن كان هكذا كان أشد كفراً، وأخبث قلباً، وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل.

وفيه معنى آخر أيضاً: وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين. فيُرضون المؤمنين ليُعزوهم، ويرضون الكفار ليُعزوهم أيضاً. ومن هاهنا دخل عليهم البلاء، فإنهم أرادوا العزة بين الطائفتين، ولم يكن لهم غرض في إيمان وإسلام ولا طاعة لله ورسوله، بل كان ميلهم وصَغوهم ووجهتهم إلى الكفار. فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل، وهو أن جُعل مستقرهم في أسفل السافلين تحت الكفار.

فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاء بأهل الإيمان، والكذب، والتلاعب بالدين، وإظهار أنهم من المؤمنين، وانطواء قلوبهم على الكفر والشرك وعداوة الله ورسوله= أمر اختصوا به عن الكفار، فتغلَّظ كفرهم به، فاستحقوا الدرك الأسفل من النار.

ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق فى أول سورة البقرة [البقرة: 2-20]، فقسمهم إلى مؤمن ظاهراً وباطناً، وكافر ظاهراً وباطناً، ومؤمن في الظاهر كافر في الباطن وهم المنافقون= ذكر في حق المؤمنين ثلاث آيات[3-5]، وفي حق الكفار آيتين [6- 7].

فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية [8- 20]. ذمهم فيها غاية الذم، وكشف عوراتهم، وفضحهم، وأخبر بأنهم هم السفهاء، المفسدون في الأرض المخادعون، المستهزئون، المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضاً إلى مرضهم؛ فلم يدع ذماً ولا عيباً إلا ذمهم به. وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه.

فظهرت حكمته الباهرة فى تخصيص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. نعوذ بالله من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته.

ومن تأمل ما وصف الله به المنافقين في القرآن من صفات الذم؛ علم أنهم أحق بالدرك الأسفل:

فإنه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده.

ووصف قلوبهم بالمرض، وهو مرض الشبهات والشكوك.

ووصفهم بالإفساد فى الأرض.

وبالاستهزاء بدينه وبعباده.

والطغيان.

واشتراء الضلالة بالهدى.

والصَّمم والبكم والعمى.

والحيرة.

والكسل عند عبادته.

والرياء.

وقلة ذكره.

والتردد- وهو التذبذب- بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

والحلف باسمه تعالى كذباً وباطلاً.

وبالكذب.

وبِغاية الجبن.

وبعدم الفقه فى الدين.

وبعدم العلم.

وبالبخل.

وبعدم الإيمان بالله واليوم الآخر.

وبالريب.

وبأنهم مضرة على المؤمنين.

لا يحصل لهم بصحبهم إلا الشر من الخبال.

والإسراع بينهم بالشر وإلقاء الفتنة.

وكراهتهم لظهور أمر الله.

ومجيء الحق.

وأنهم يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر.

ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء.

وأنهم يتربصون الدوائر بالمسلمين.

وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة الله وسبيله.

وبعيب المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم، فيلزمون المتصدقين، ويعيبون مُزهدَهم، ويرمون مكثرهم بالرياء إرادة الثناء في الناس، وأنهم عبيد الدنيا، إن أُعطوا منها رضوا وإن مُنعوها سخطوا.

وبأنهم يؤذون رسول الله وينسبونه إلى ما برَّأه الله منه أو يعيبونه بما هو من كماله وفضله.

وبأنهم يقصدون إرضاء المخلوقين ولا يطلبون إرضاء رب العالمين.

وأنهم يسخرون من المؤمنين.

وأنهم يفرحون إذا تخلَّفوا عن رسول الله.

ويكرهون الجهاد فى سبيل الله.

وأنهم يتحيَّلون على تعطيل فرائض الله عليهم بأنواع الحيل.

وأنهم يرضون بالتخلف عن طاعة الله ورسوله.

وأنهم مطبوع على قلوبهم.

وأنهم يتركون ما أوجب الله عليهم مع قدرتهم عليه.

وأنهم أحلف الناس بالله قد اتخذوا أيمانهم جنّة تقيهم من إنكار المسلمين عليهم، وهذا شأن المنافق أحلف الناس بالله كاذباً، قد اتخذ يمينه جنة ووقاية يتقي بها إنكار المسلمين عليه.

ووصفهم بأنهم رجس -والرجس من كل جنس: أخبثه وأقذره- فهم أخبث بني آدم وأقذرهم وأرذلهم.

وبأنهم فاسقون.

وبأنهم مضرة على أهل الإيمان يقصدون التفريق بينهم.

ويؤوون من حاربهم وحارب الله ورسوله.

وأنهم يتشبهون بهم ويضاهونهم في أعمالهم ليتوصلوا منها إلى الإضرار بهم وتفريق كلمتهم، وهذا شأن المنافقين أبداً.

وبأنهم فتنوا أنفسهم بكفرهم بالله ورسوله.

وتربصوا بالمسلمين دوائر السوء، وهذا عادتهم فى كل زمان.

وارتابوا في الدين فلم يصدقوا به.

وغرتهم الأماني الباطلة وغرهم الشيطان.

وأنهم أحسن الناس أجساماً تعجب الرائي أجسامهم، والسامع منطقهم، فإذا جاوزتَ أجسامهم وقولهم رأيت خشباً مسنَّده، لا إيمان ولا فقه، ولا علم ولا صدق، بل خشب قد كسيت كسوة تروق الناظر، وليسوا وراء ذلك شيء.

وإذا عرض عليهم التوبة والاستغفار أبَوها وزعموا أنهم لا حاجة لهم إليها، إما لأن ما عندهم من الزندقة والجهل المركب مغنٍ عنها وعن الطاعات جملة -كحال كثير من الزنادقة- وإما احتقاراً وازدراءً بمن يدعوهم إلى ذلك.

ووصفهم تعالى بالاستهزاء به وبآياته وبرسوله.

وبأنهم مجرمون.

وبأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.

ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في مرضاته.

وبنسيانهم ذكره، وبأنهم يتولون الكفار ويدَعون المؤمنين.

وبأن الشيطان قد استحوذ عليهم وغلب عليهم حتى أنساهم ذكر الله فلا يذكرونه إلا قليلاً.

وأنهم حزب الشيطان.

وأنهم يوادّون من حاد الله ورسوله.

وبأنهم يتمنون ما يعنت المؤمنين ويشق عليهم.

وأن البغضاء تبدو لهم من أفواههم وعلى فلتات ألسنتهم.

وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

ومن صفاتهم التي وصفهم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

الكذب في الحديث.

والخيانة في الأمانة.

والغدر عند العهد.

والفجور عند الخصام.

والخلف عند الوعد.

وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها.

ونقرها عجلة وإسراعاً.

وترك حضورها جماعة.

وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء.

ومن صفاتهم التى وصفهم الله بها: الشح على المؤمنين بالخير.

والجبن عند الخوف، فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد، فهم أحد الناس ألسنة عليهم كما قيل:

جهلاً علينا وجبناً عن عدوكمُ ... لبئست الخلتان الجهل والجبن

وأنهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومخبآتهم. وأما عند الأمن فيجب ستره، فإذا لحق المسلمين خوف دبت عقارب قلوبهم، وظهرت المخبآت، وبدت الأسرار.

ومن صفاتهم: أنهم أعذب الناس ألسنة، وأمَرُّهم قلوباً، وأعظم الناس مخالفة بين أعمالهم وأقوالهم.

ومن صفاتهم: أنه لا يجتمع فيهم حسن سمت وفقه فى دين أبداً.

ومن صفاتهم: أن أعمالهم تكذب أقوالهم، وباطنهم يكذب ظاهرهم، وسرائرهم تناقض علانيتهم.

ومن صفاتهم: أن المؤمن لا يثق بهم في شيء، فإنهم قد أعدوا لكل أمر مخرجاً منه، بحق أو بباطل، بصدق أو بكذب، ولهذا سُمَّيَ (منافقاً) أخذاً من نافقاء اليربوع -وهو بيت يحفره ويجعل له أسراباً مختلفة- وكلما طُلب من سرب خرج من سرب آخر، فلا يتمكن طالبه من حصره في سرب واحد. قال الشاعر:

ويُستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن بيته ذو الشيحة اليَتَقَصَّعُ

فأنت منه كقبض على الماء، ليس معك منه شيء.

ومن صفاتهم: كثرة التلون، وسرعة التقلب، وعدم الثبات على حال واحد. بينا تراه على حال تعجبك من دين أو عبادة أو هَدي صالح أو صدق، إذ انقلب إلى ضد ذلك كأنه لم يعرف غيره، فهو أشد الناس تلوناً وتقلباً وتنقلاً، جيفة بالليل قُطْرُباً بالنهار.

ومن صفاتهم: أنك إذا دعوتهم عند المنازعة للتحاكم إلى القرآن والسنة أبوا ذلك وأعرضوا عنه، ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعَمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغوتِ وَقَد أمرُوا أَن يَكْفُروا بهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالُوا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافقِين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً فَكَيْف إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَهِمْ ثُمَّ جَاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُم فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}.

ومن صفاتهم: معارضة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعقول الرجال وآرائهم، ثم تقديمها على ما جاء. فهم معرضون عنه معارضون له، زاعمون أن الهدى فى آراء الرجال وعقولهم، دون ما جاء به. فلو أعرضوا عنه وتعوَّضوا بغيره لكانوا منافقين، فكيف إذا جمعوا مع ذلك معارضته وزعمهم أنه لا يستفاد منه هدى؟!

ومن صفاتهم: كتمان الحق، والتلبيس على أهله، ورميهم لهم بأدوائهم. فيرمونهم -إذا أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ودعوا إلى الله ورسوله- بأنهم أهل فتن مفسدون فى الأرض. وقد علم الله ورسوله والمؤمنون أهل الفتن المفسدين في الأرض. وإذا دعا ورثة الرسول إلى كتاب الله وسنة رسوله خالصة غير مشوبة= رموهم بالبدع والضلال. وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا، راغبين في الآخرة، متمسكين بطاعة الله ورسوله= رموهم بالزوكرة والتلبيس والمِحال.

وإذا رأوا معهم حقاً ألبسوه لباس الباطل، وأخرجوه لضعفاء العقول في قالبه لينفروهم عنه، وإذا كان معهم باطل ألبسوه لباس الحق وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم.

وجملة أمرهم أنهم في المسلمين كالزغل في النقود، يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حالهم الناقد البصير من الناس، وقليل ما هم!

وليس على الأديان أضرّ من هذا الضرب من الناس، وإنما تفسد الأديان من قِبلهم. ولهذا جَلا الله أمرهم في القرآن، وأوضح أوصافهم، وبيَّن أحوالهم، وكرَّر ذكرهم؛ لشدة المؤنة على الأمة بهم، وعِظَم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم، وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم أو الإصغاء إليهم.

فكم قطعوا على السالكين إلى الله طريق الهدى، وسلكوا بهم سبل الردى! ووعدوهم ومنَّوهم، ولكن وعدوهم الغرور، ومنوَّهم الويل والثبور!

فكم لهم من قتيل ولكن في سبيل الشيطان، وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان. وأسير لا يُرجى له الخلاص، وفارّ من الله لا إليه، وهيهات، لات حين مناص!

صحبتهم توجب العار والشنار، ومودتهم تحل غضب الجبار، وتوجب دخول النار. من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب دائهم= مزقت منه ثياب الدين والإيمان، وقُطعت له مقطعات البلاء والخذلان. فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالاً، ويمشي على عقبيه القهقرى إدباراً منه، وهو يحسب ذلك إقبالاً!

فهم والله قطاع الطريق! فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء، حذاراً منهم حذاراً. وهم الجزارون، ألسنتهم شفار البلايا، ففراراً منهم أيها الغنم فراراً!

ومن البلية أنهم الأعداء حقاً، وليس لنا بد من مصاحبتهم. وخلطتهم أعظم الداء، وليس بد من مخالطتهم. قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها، فبعداً للمستجيبين! ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات، فويل للمغترين.

نصبوا الشباك، ومدوا الأشراك، وأذَّن مؤذنهم بأشباه الأنعام: حي على الهلاك، حى على التباب! فاستبقوا يُهرعون إليه، فأوردوهم حياض العذاب، لا الموارد العذاب. وأسامهم من الخسف والبلاء أعظم خطة، وقال: ادخلوا باب الهوان صاغرين، ولا تقولوا حطة، فليس بيوم حطة. فواعجباً لمن نجا من شراكهم، لا لمن علق! وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خُلق!

فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلوا بالمحل الذى أحلهم الله من دار الهوان، وأن ينزلوا في أردأ منازل أهل العناد والكفران.

وبحسب إيمان العبد ومعرفته، يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة. ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر بن الخطاب يقول: (يا حذيفة نشدتك الله، هل سماني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أُزكي بعدك أحداً). يعني لا أفتح علي هذا الباب في تزكية الناس. ليس معناه أنه لم يبرأ من النفاق غيرك.

وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل).

[[طبقة رؤساء الكفر وأئمته ودعاته]]

الذين كفروا وصدّوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول فى دينه رغبةً ورهبةً.

فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان: عذاب الكفر، وعذاب بصَدِّ الناس عن الدخول فى الإيمان. قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَابِ}. فأحد العذابين بكفرهم، والعذاب الآخر بصَدِّهم عن سبيل الله.

وقد استقرت حكمة الله وعدله أن يجعل على الداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له. ولا ريب أن عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه وضل به.

وهذا النوع فى الأشقياء مقابل دعاة الهدى في السعداء، فأولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم.

ولهذا كان فرعون وقومه في أشد العذاب، قال تعالى في حقهم: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلِ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}. وهذا تنبيه على أن فرعون نفسه في الأشد من ذلك؛ لأنهم إنما دخلوا أشد العذاب تبعاً له، فإنه هو الذي استخفهم فأطاعوه، وغرهم فاتبعوه. ولهذا يكون يوم القيامة إمامهم وفرطهم في هذا الورد. قال تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ}.

والمقصود: أنهم استحقوا أشد العذاب لتَغَلُّظِ كفرهم، وصَدِّهم عن سبيل الله وعقوبتهم من آمن بالله. فليس عذاب الرؤساء في النار كعذاب أتباعهم. ولهذا كان في كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لهرقل: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين). والصحيح في اللفظة أنهم الأتباع.

ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذاباً، وهو أول من يُكسى حلة من النار؛ لأنه إمام كل كفر وشرك وشر. فما عُصي الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأمثل فالأمثل من نوّابه في الأرض ودعاته.

ولا ريب أن الكفر يتفاوت، فكفر أغلظ من كفر. كما أن الإيمان يتفاوت فإيمان أفضل من إيمان. فكما أن المؤمنين ليسوا في درجة واحدة بل هم درجات عند الله، فكذلك الكفار ليسوا في طبقة واحدة ودرك واحد، بل النار دركات كما أن الجنة درجات. ولا يظلم الله من خلقه أحداً. وهو الغني الحميد.

فصل

وتغلّظ الكفر الموجب لتغلّظ العذاب يكون من ثلاثة أوجه:

أحدها: من خبث العقيدة الكافرة في نفسها، كمن جحد رب العالمين بالكلية، وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له، فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر. ولهذا لا يُقَرُّ أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماء، ولا تُؤكل ذبائحهم، ولا تُنكح نساؤهم اتفاقاً، لتغلّظ كفرهم. وهؤلاءِ هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم.

الجهة الثانية: تغلّظه بالعناد والضلال عمداً على بصيرة، ككفر من شهد قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه، وكفر عناداً وبغياً، كقوم ثمود، وقوم فرعون، واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم، وكفر أبي جهل وأمية ابن أبي الصلت وأمثال هؤلاء.

الجهة الثالثة: السعي في إطفاء نور الله وصَدِّ عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم. فهؤلاء أشد الكفار عذاباً بحسب تغلّظ كفرهم.

ومنهم من يجتمع في حقه الجهات الثلاث، ومنهم من يكون فيه ثنتان منها أو واحدة.

فليس عذاب هؤلاءِ كعذاب من هو دونهم في الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله، والمؤمنون من أذاه في سلامة لا ينالهم منه أذى، ولم يتغلّظ كفره كتغلّظ هؤلاءِ؛ بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر، وإن شارك أولئك في كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعاً من الكفر. وهل يستوى في النار عذاب أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي ابن خلف وأضرابهم؟

والمقصود أن هذه الطبقة -وهي طبقة الرؤساء الدعاة الصادين عن دين الله- ليست كطبقة من دونهم. وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أهون أهل النار عذاباً أبو طالب)، ومعلوم أن كفر أبي طالب لم يكن مثل كفر أبي جهل وأمثاله.

انتهى كلامه -رحمه الله تعالى-.


   طباعة 
0 صوت
 
 
table_sun_
التعليقات : تعليق
 
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك

/500
تعليقك
3 + 6 = أدخل الكود
 
 
table_sun_
روابط ذات صلة
   
 
table_sun_
جديد المقالات
   
 
البحث
بحث في:
البحث في
زوار الاسلام العتيق
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 107279
بالامس : 45319
لهذا الأسبوع : 287431
لهذا الشهر : 1677275
لهذه السنة : 6514234
منذ البدء : 161681085
تاريخ بدء الإحصائيات: 9-10-2012 م
زوار موقع التيوب

اليوم :  146769
الامس :  328027
الاسبوع :  1408011
الشهر :  5585697
من البدء :  30478192
يوتيوب الاسلام العتيق
مجموع زوار الموقعين

لهذا اليوم : 254049
الامس : 373346
الاسبوع: 1695443
الشهر : 7262973
من البداية: 192159278
القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
يتصفح الموقع الآن
انت الزائر :2316252
[يتصفح الموقع حالياً ]
الاعضاء :0الزوار :
تفاصيل الموجودين