لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

من حجة الوداع
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 03-09-2018 07:31
عدد الزيارات : 366
الشيخ : أحمد آل عبدالله


الحمدُ للهِ عَزَّ جَاهاً وحُكما , وَوسِعَ كُلَّ شيءٍ رحمةً وعِلما , وأشهدُ أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسولُه , عَظُمَ عند اللهِ منزلةً وكَرُمَ عبداً, صلى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابِه الذين كانوا له سَنَدا ورِدْءًا , ومن تبعهم بإحسان ولَزِمَ أمْرَهُم تَعبُّداً وقصدا .

 

أما بعد : عباد الله :اتقوا الله فإن تقواه أربح بضاعة، واحذروا معصيته فقد خاب عبد فرط في أمر الله وأضاعه، (ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).

 

عباد الله : قضى الحجاجُ عبادةً من أعظمِ العبادات، وركناً عظيماً من أركان الإسلام ، تجرّدوا لله من المخيط عند الميقات، وسكبوا دموعُ التوبةِ في صعيدِ عرفات ، وضجّت بالافتقار إلى الله كُلُّ الأصوات ، عادَ الحُجَاجُ بعد ذلك فرحِين بما آتاهم الله من فضله ( قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ).

 

فهنِيئًاً للحُجَاجِ حَجُّهم ؛هنيئًا لهم قول رسولِ الهدى صلى الله عليه وسلم: «والحَجُ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة» متفق عليه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - وهنيئا لهم بشراهُ صلى الله عليه وسلم لهم بقوله: «مَنْ حَجَّ ولَمْ يرفُث ولم يفسُقْ رجعَ مِنْ ذُنوبِهِ كَيَوْمِ ولدتْهُ أمُّه» متفق عليه.

 

عباد الله : حج صلى الله عليه وسلم في العام العاشر من الهجرة حجة الوداع التي كانت آخر عهده صلى الله عليه وسلم بالبيت الحرام ، تلك الحجة التي رسمت معالم عظمى في حياة الناس، وبينت أحكاماً جليلة وأحقت حقوقاً وأبطلت شروراً، إن ما يميز هذه الحجة النبوية عن

غيرها من الزيارات للبيت الحرام أنها أعلنت أهم الحقوق

الثابتة الراسخة إلى قيام الساعة .

 

نظر رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إلى الألوف المؤلفة وهي تلبي وتهرع إلى طاعة الله، فشرح صدره انقيادها للحق، واهتداؤها إلى الإسلام .

 

فكان من كمال نصحه وحرصه على أمته أنه كان يتعاهدهم بالتذكير والنصح فقام عدة مقامات يخطب فيها أصحابه ، يتعاهدهم بالورود من المصادر النقية الصافية التي يتلقون منها دينهم وعقيدتهم ويحذرهم من المصادر التي تفسد عقائدهم وتلوث أفكارهم.

 

ومن ذلك: حثه أمته في كل خطبة على التمسك بالمصدرين العظيمين الكتاب والسنة صرّح بهذا المعنى في حجة الوداع ففي حديث جابر عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ». وفي حديث ابن عباس عند الحاكم «كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ».

 

وأمرهم أيضاً أن يتبعوا سنة خلفائه الراشدين المهديين وأن يكونوا على ما كان عليه أصحابه رضي الله عنهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني ، ولما سئل عن الفرقة الناجية من النار قال صلى الله عليه وسلم: «ما أنا عليه وأصحابي»، رواه الترمذي وحسنه الألباني.

 

فمن أراد السلامة من الزيغ والاستقامة على الهدى فعليه أن يتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يفهم الكتاب والسنة فهماً يتفق مع فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فهما يستحدثه من بنيات عقله .

 

في اليوم الثامن من ذي الحجة نزل بطن الوادي من منى

فخطب في ذلكم الجمع الغفير: «أيها الناس، اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا.. إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة ... فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله»، رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه وصححه الألباني .

 

ولما قضى مناسكه حث المسير عائدًا إلى طيبة الطيبة.

عباد الله : في أوائل صفر سنة إحدى عشرة للهجرة خرج عليه الصلاة والسلام إلى أحد، فصلى على الشهداء، كالمودع للأحياء والأموات.

 

ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرطكم، وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها». متفق عليه، فكيف بمن اشربت قلوبهم حبها ؟!

 

ثم توفي صلى الله عليه وسلم في مطلع شهر ربيع الأول ، وقد ترك أمته على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .

 

هنيئاً لكل حاج  شكر الله على ما يسر له من الحج بأمن وأمان وراحة واطمئنان .

 

هنيئاً لقادة هذه البلاد بخدمة الحرمين الشريفين .

 

هنيئاً لكل من ساهم في إنجاح هذا الموسم العظيم ، من علماء ربانيين ودعاة موجهين ، ومن وزراء ومسؤولين ، وأطباء ورجال أمن .    أقول ما سمعتم..

 

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله عَلَى إحسانِه، والشّكرُ لَه على توفِيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لاَ إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشَأنه، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سبيلهم واقتفى أثرهم. وسلم تسليما أما بعد:

 

فاتقوا الله عباد الله

خطب صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الخَيْف بمنى فقال : «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ، غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ، تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ».

 

قال ابن القيم : من عمل بها، نفى وطرد الغل، وأخرجه

من قلبه، ولن يحمل قلبه غلاً، بل إن هذه الثلاثة تنقي القلب من الغل ) فلا يدخل قلبه ضغينة تزيله عن الحق ولا عن قبوله وتلقيه ، فيكون صدره منشرحا مسرورا ،بعيدا عن العبوس والكدور ووساوس الشيطان ، بخلاف من كان كذلك فمن لم يخلص لله بأن خالط نيته غير الله، أو لم يكن ناصحا لولاة أمره وهو أن يكون كما قال ابن باز : النصيحة لأئمة المسلمين فبالدعاء لهم والسمع والطاعة لهم في المعروف، والتعاون معهم على الخير، وترك الشر، وعدم الخروج عليهم ... )

 

قال ابن عثيمين : باعتقاد إمامتهم .. ونشر محاسنهم في الرعية، لأن ذلك يؤدي إلى محبة الناس لهم .. وامتثال ما أمروا به وما نهوا عنه، إلا إذا كان في معصية الله عزّ وجل .. ستر معايبهم مهما أمكن .. لما في ذلك من ملئ القلوب

غيظاً وحقداً وحنقاً على ولاة الأمور، وإذا امتلأت القلوب

من ذلك حصل التمرّد  .

 

ولزوم جماعة المسلمين : التي اجتمعت على الحق ولم تتفرق فيه وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وذلك بالإيمان بكل ما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلاً. واجتناب البدع والمحدثات والبراءة من الفرق والأحزاب المخالفة للسنة ، ومن لزوم جماعة المسلمين لزوم السمع والطاعة لولي الأمر لأن أهل السنة أهل ألفة واجتماع وأما الخروجُ والشذوذُ على الجماعة ونزعُ اليد من الطاعة والتمردُ على ولاة الأمور وسلوكُ مسلك المظاهرات فهو من طريقة ومنهج الخوارج والروافض والمعتزلة وأذنابهم.

 

فاللهَ نسأل أن يثبتنا جميعاً على الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأن يعصمنا من الزيغ والزلل ومن مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.  اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين . اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم احفظ إمامنا إمام المسلمين بحفظك واكلأه برعايتك وانصره على أعداء الإسلام نصراً مؤزراً اللهم اجمع به كلمة المسلمين على الحق برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم وفق جنودنا ورجال أمننا ، وأيدهم بتأييدك واحفظهم بحفظك واجزهم خير الجزاء على ما يقومون به من حماية أمننا وحدودنا ومقدساتنا يا سميع الدعاء.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.